فهرس الكتاب

الصفحة 4417 من 27345

الحمد لله ، دعى المحبين إلى بابه ، وأعد الجنة نزلا لأحبابه . أحمده سبحانه ، حمدا يليق بجنابه ، وينزِه جلالَه عن الند له أو المشابه . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة أرجو بها أن أفوز بجنته ، وأن أنجو من عذابه ، فأتلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم ، حين يكشف عن حجابه . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فضله على جميع خلقه ، فأنزل عليه الكتاب ، من آياته محكم ومتشابه ، وبلغه المنزلة العليا ، عند سدرة المنتهى ليلة أسرى به . وسطر كرامته في آيات سورة النجم ، آيات تتلى من كتابه . صلى الله عليه وعلى آله ، وأزواجه ، وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان فتمسك بهديهم ، وترسم خطاهم ، إلى أن يجرد من ثيابه ، وسلم تسليما . أما بعد ، فاتقوا الله معاشر المسلمين ، وتمسكوا بهدي كتابه ، وعليكم بالسنة ، فهي الدليل على محبة الله ، ومن أحبه الله فهو آمن يوم القيامة من عقابه . أيها المسلمون: ابتسامة ، أبكت عيونَ المحبين ، وأشعلت لهيب الشوق في قلوبَ المشتاقين ، ومزقت ذكراها أكبادَ الذاكرين ، وشحذ سناها هممَ العاملين ، ونور بريقها طريق السالكين . ابتسامة ، فجرت ينابيع الدموع ، وأسجدت الجباه في تضرع وخضوع ، ورفعت الأيدي تسأل المولى في تذلل وخشوع ، تسأله أن لا تُحرم رؤية المبتسم ، وأن تجتمع به حين تحشر الجموع . ابتسامة من محبوب ، كلما ذكرها المحب حرقت فؤاده ، وقطعت نياط قلبه ، وتليف الكبد منها فلم يطق صبرا ، ولا عجب ، فهذا حال المحبين . من ابتسامة المحبوب تدمع العين ، ويتقرح الجفن ، وتشتعل نار الحزن في القلب ، ويتوقد الشوق عارما للقياه ، فتسأل روح المحب: كيف السبيل إلى أن ألقى الحبيب ؟ فيكون الجواب ، لا سبيل إلى ذلك إلا بالسير على نفس الخطى ، والثبات على المنهاج ، والعمل المستمر آناء الليل وأطراف النهار . أيها المحبون: جموع صحب الحبيب الكرام صلى الله عليه وسلم ، ورضي عنهم وأرضاهم ، يصفون خلف أبي بكر، رضي الله عنه ، فجرا في آخر يوم من حياة حبيبهم ونبيهم ، وقرة أعينهم ، وهم لا يعلمون أنها آخر العهد به ، صلى الله عليه وسلم . وبينا هم في صلاتهم خاشعون ، لم يفجأهم إلا وستر حجرة عائشة رضي الله عنها يكشف ، ويطل عليهم وجه البدر من وراء الستر ، نظر إليهم ، ثم تبسم وضحك ، كأن وجهه ورقة مصحف . أي شعور يا ترى قد أحس به أولئك الصفوة ، وهم يرون تلك الابتسامة ، تعلو محياه ، فهل تعجب إذا فتنوا ؟ هل تعجب إذ كادت قلوبهم أن تطير من أقفاصها لتعانقه ! وكادت أرواحهم أن تخرج لتفتدي ذلك المبسم ! نعم ، لقد هم الناس أن يفتتنوا في صلاتهم ، فقد ظنوا أنه سيخرج إليهم ، سيؤمهم ، سيسمعون صوته الشجي ، وينظرون إلى وجهه البهي ، ونكص أبو بكر على عقبيه ، ليصل الصف ، وفرح الناس فرحا كادت تطير معه قلوبهم ، ولكنها كانت نظرة الوداع الأخيرة ، فما كان يستطيع أن يخرج إليهم ، أو أن يصلي بهم ، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ، ودخل حجرته ، وأرخى الستر إلى الأبد ، فلن يخرج منه أبدا ، ولن يقول لهم استووا أبدا ، ولن يدرك وقت صلاة أخرى أبدا . كانت تلك النظرة ، نظرة الاطمئنان أن الصحب على المنهج سيسيرون ، وبما جاءهم به من الوحي سيستمسكون ، وخلف إمامهم سيصلون ، وصفا مرصوصا سيكونون . وجسدا واحدا ، وقلبا واحدا ، ويدا واحدة ، وعلى صراط مستقيم سيمضون ، ليكملوا الرسالة ، ويوصلوا الأمانة ، إلى الناس أجمعين ، ليعلموا أنه لا إله إلا الله العزيز الحكيم . كانت نظرة الوداع ، وابتسامة الاستبشار بأن المنهج باق ثابت ، وأن ما زرعه قد آتى ثماره ، وأن من بعده سيتبعون آثاره ، ويسيرون مساره . وبعد ،،، أيها المحب ، ألست تتمنى أن ترى وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو في المنام ؟ أليس من رآه مناما حاز من الشرف والفخر ما يحسده عليه من علم ؟ ألست حريصا على أن ترى ذلك المبسم ؟ ألست حريصا على أن تسمع ذلك الصوت الشجي ؟ أليس قد أحكم حبه الحصار على قلبك ؟ وكنت تذكر خلفاءه ، وأصحابه فتتحسر ، وتسأل الله أن يجمعك بهم في جنته . أما علمت أنك إن تحدثت عن تصديق أبي بكر ، فهو إحدى حسناته ؟ وإن تحدثت عن عدل عمر ، فهو من شيد لبناته ؟ وإن تعجبت من جود عثمان ، فهو جزء من أعطياته ؟ وإن أثار حماسك إقدام علي ، فإنما هو حربة من حرباته ؟ وإن سمعت ببأس حمزة ، أو غيرة سعد ، أو صبر بلال ، أو رقة عمار ، أو أمانة أبي عبيدة ، أو فقه معاذ ، وتلاوة سالم ، ومزمار أبي موسى ، وشجاعة أم عمارة ، وعلم عائشة ، وغير ذلك مما لا مجال لحصره ، ذلك كله ، ثمرة جهاده ، وأثر رحمة الله ، التي أنبتت على يديه قلوبا حية من غيث وحيه إليه ، فأحيا به الله الأرض بعد موتها ، وشق أخاديد القلوب فأنبتت من كل فن بهيج ، حضارة ، وعدلا ، وجهادا ، وتضحية ، عجزت أن تجاريها كل الحضارات ، ووقفت أمامها وقوف المقعد الحيران ، لا يستطيع مجاراة نهر الهدى الذي سلك طريقه إلى القلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت