، فارتوى منه من أراد الله له الهداية ، واكتفى البعض منهم فاغترف غرفة بيده ، وأعرض عنه أكثر الناس ، وأكثر الناس لا يعلمون . أيها المحب: إني بكلامي هذا لا أرمي إلى أن أشعل الشوق في قلبك لتلك الابتسامة ، ولصاحب تلك الابتسامة ، ولكني أريد أن تثمر هذه الكلمات شرارة تتوقد منها عاطفتك ، فتحفزك لتشمر كي تراه ، وما لرؤيته من سبيل إلا بالسير على نفس المنهج ، والاستمساك بالهدي النبوي ، في العبادات ، والمعاملات ، والثبات على الحق ، حتى يدركك الحق ، وأنت على ذلك . يقول صلى الله عليه وسلم: من أشد أمتي حبا لي ، ناس يكونون بعدي ، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله . أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه . ومجرد تمني الرؤية ، لا يحققها ، إذ إن المرء المحب يسعى لحبيبه بكل ما يقدر عليه من وسيلة ، وهكذا هنا ، فإن أردت أن تنال حظا من رؤيته وابتسامته ، صلى الله عليه وسلم ، لا بد من عمل صالح ، ذكر ، وتسبيح ، واستغفار ، وصلاة ، وصيام ، وحج ، وصدقة ، وبر ، وصلة ، وصبر ، وشكر ، ونية صالحة ، وعزم أكيد ، وصدق وسعي حثيث . لا بد لكي تنال حظك من تلك الابتسامة أن تجيب منادي الحبيب إذا ناداك حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، وأن تواصل السير في طاعة مولاك ، على سنة نبيك بالمساء والصباح ، لا بد أن تترك الحقير ، لتنال العظيم ، وأن تؤثر الآخرة على الأولى ، وأن تعمل طويلا ، لتستريح طويلا: فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول وليكن بين ناظريك ، ونصب عينيك أن متاع الحياة الدنيا قليل ، وأن الآخرة خير لمن اتقى ، ولا يظلمون فتيلا . ولا يمكن لمحب أن يكون أهله أو ماله ، حجر عثرة في طريق الوصال ، أو أن يأذن لهم أن يقطعوا بينه وبين محبوبه الحبال . فاصبر نفسك في هذه الفانية لتكون من الفائزين في الآخرة ، ومن ظفر بما يؤمله نسي كل عناء أصابه في سبيله ، وهانت عنده كل نفقة أنفقها لنيله ، كما كان عمر رضي الله عنه يتمثل هذا البيت: كأنك لم توتر من الدهر مرة إذا أنت أدركت الذي أنت طالبه وقد قال الله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم . فلا يتم لهم حقيقة الإيمان إلا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم ، فضلا عن أبنائهم وآبائهم وأزواجهم . وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ، والناس أجمعين . متفق عليه . وقال له عمر رضي الله عنه يوما: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي . فقال: لا يا عمر ، حتى أكون أحب إليك من نفسك . قال: فوالله لأنت الآن أحب إلي من نفسي . فقال: الآن يا عمر . وتصديق دعوى المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم هي اتباعه . وعدم الابتداع في دينه الذي بعثه الله به . وأن يقف المحب حيث أمر صلى الله عليه وسلم ، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله . وإذا قضى الله ورسوله أمرا لم يكن له الخيرة من أمره . كما قال جل وعلا: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم . فدعوى المحبة باطلة ، ما لم يثبتها الاتباع . معاشر المسلمين: إذا عدنا إلى ابتسامة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، فإننا لم نرها ، ولن نراها إلا في الجنة ، ولن ندخل الجنة إلا بعمل ، يصدق تلك المحبة ، ويدل عليها . وإنما أشرت إلى ما أشرت إليه لأن أكثر الناس في وقتنا الحاضر يكثر من نقل كلام الساقطين ، وحركاتهم ، وتنقلاتهم ، وأخبارهم ، حتى غدوا قدوة للتائهين ، ومثلا للخائبين ، فحذوا حذوهم في ما ابتدعوه من حركات ، ولباس ، وقصات شعر ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير . وإنه لما عمر قلوبهم من حب أولئك ما عمرها ، ظهر أثر ذلك الحب في هيئاتهم ، واهتماماتهم ، حتى إن أحدهم لا يصبر على قراءة صفحة من سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم ، بينا هو يمضي ساعات طويلة في قراءة أخبار الماجنين ، وغيرهم ، وانظر كم يقرأ أكثر الناس من صحف ومجلات ، وقارن ذلك بما يقرأه أحدهم مما أنزل على الحبيب من الآيات !!!! فعجب قولهم نحب النبي ، وهم عن أخباره غفلوا ! وعجبا قولهم نريد مرافقته في الجنة ، وشربة من حوضه ، ودخولا في شفاعته ، وهم بعيدون عن سنته ، كارهون لشريعته ، مبغضون لأتباعه ، محاربون لمن أظهر سنته ، وأحياها ، ونشرها ودعا إليها ، فهم عند القوم متخلفون ، أو رجعيون ، أو ظلاميون ، وفي آونة أخرى سموهم ( إسلامويون ) تهكما ، وظنوا أن التخلي عن السنة حُرية ، وأن نبذ الشريعة حضارة ، وأن التنكر للدين تقدم وازدهار . والصحيح أنهم يخشى أن يكونوا ممن وصف الله تعالى بقوله: ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ، خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين . وعلى الضد من هؤلاء ، من ظن أن الإسلام حربة وسيف ، وتدمير وقتال ، فلم يحفظ من تعاليم صاحب الرسالة إلا القتل ، والتعزير ، والحدود ، ونسي ، أو غفل ، أو جهل ،