فهرس الكتاب

الصفحة 4978 من 27345

البراءة من البدع و أهلها

من أصول أهل السنّة و الجماعة

الدكتور أحمد عبد الكريم نجيب

أستاذ الحديث النبوي و علومه في كلّية الدراسات الإسلاميّة بسراييفو ، و الأكاديميّة الإسلاميّة بزينتسا

و مدرّس العلوم الشرعيّة في معهد قطر الديني سابقًا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، و الصلاة و السلام على نبيّه الأمين ، و آله و صحبه أجمعين ، و بعد:

فإن الولاء و البراء أصل أصيل من أصول الإسلام ، و دعامة من دعائمه ، فلا يستقيم إسلام المرء حتى يوالي في الله و يعادي في الله ؛ يوالي أهل الحق ، و يعادي أهل الباطل ، غير آبه بما يعترضه في سبيل ذلك من المثنيات و المثبطات .

و قد جعل أهل السنة و الجماعة الولاء و البراء قاعدة عقدية كبرى ، ( و مفهوم هذه القاعدة الشريفة لديهم هو: الحب و البغض في الله ، فهم يوالون أولياء الرحمن ، و يعادون أولياء الشيطان ، كلّ بحسب ما فيه من الخير و الشر ... و من أولى مقتضياتها التي يثاب فاعلها و يعاقب تاركها البراءة من أهل البدع و الأهواء ) .

[ هجر المبتدع ، للدكتور بكر أبو زيد ، ص: 18،19 ] .

و يلزم من الولاء الحب في الله ، كما يلزم من البراء البغض في الله تعالى .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: ( المراد من قول لا إله إلا الله ، مع معرفتها بالقلب محبتها و محبة أهلها ، و بغض من خالفها و معاداته ) .

[ تفسير كلمة التوحيد ، للشيخ محمد بن عبد الوهاب ( ضمن مجموعة المؤلفات الكاملة ) : 1/363 ] .

و حقيقة الحب في الله كما قال يحيى بن معاذ: ( أن لا يزيد بالبر و لا ينقص بالجفاء ) .

[ فتح الباري ، للحافظ ابن حجر: 1/62 ] .

و إذا كانت الأشياء تتميز بضدها فإن حقيقة البراء و البغض في الله أن لا يزيد بالجفاء ، و لا ينقص بالبر .

يقول الدكتور إبراهيم الرحيلي وفقه الله: ( قررنا أن المحبّة في الله ينبغي أن يراد بها وجه الله ، فلا يحب الشخص إلا لله ، و أن لا تزيد تلك المحبّة ببر المحبوب للمحب ، و لا تنقص بجفائه إياه ، فإن البغض ينبغي أن يراد به وجه الله أيضًا ، و أن يكون لله لا لسبب آخر .... بل يبغض الشخص إمّا لكفره ، أو ابتداعه ، أو معصيته ، فإن هذه هي أسباب البغض في الله ) .

[ موقف أهل السنة و الجماعة من أهل الأهواء و البدع ، للدكتور إبراهيم الرحيلي ، ص: 462 ، و فيه الإحالة على الإحياء ، للغزالي: 2/166،167 ] .

و هذه القاعدة الجليلة الشريفة ، مؤصلة عند أهل العلم بما دلّ عليها من الكتاب و السنّة و الأثر ، بل بانعقاد الإجماع على تقريرها ..

فمن الكتاب قوله تعالى ( لا تجد قومًا يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حادّ الله و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) [ المجادلة: 22 ] .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: ( من أطاع الرسول ، و وحد الله ، لا يجوز له موالاة من حاد الله و رسوله ، و لو كان أقرب قريب ، و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) .

[ ثلاثة الأصول ، للشيخ محمد بن عبد الوهاب ( ضمن مجموعة المؤلفات الكاملة ) : 1/183 ، و ثلاثة مسائل ، له أيضًا: 1/375 ] .

و الآية دالة على قطع حبال المودة بين من آمن بالله و اليوم الآخر ، و بين من حادّ الله و رسوله ، و لو كان من أقرب المقرّبين ، و هذه الآية الكريمة تنزل على أهل البدع و الأهواء فيلزم منها بغضهم و معاداتهم ، و عدم التودد إليهم ، لأن في الابتداع محادّة لله و رسوله ، فما من بدعة إلا و هي مصادمة للشريعة ، مخالفة لها ، حتى قال السيوطي رحمه الله في تعريفها: ( البدعة عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة ، أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان ) .

[ الأمر بالاتباع ، للسيوطي ، ص: 24 ] .

و هذا هو معنى المحادّة المذكورة في الآية الكريمة .

و قد فهم السلف الصالح منها ما فهمنا ، قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره: ( استدل مالك رحمه الله بهذه الآية على معاداة القدريّة ، و ترك مجالستهم . روى أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية ، و عادهم في الله ، لقوله تعالى:( لا تجد قومًا ) الآية ) .

[ الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي: 17/308 ] .

أما في السنة ، فقد ورد غير حديث مدللًا على اقتضاء الشرع الحنيف الموالاة في الله ، و معاداة المبتدعة و أهل الأهواء و البراءة منهم ، فعن أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت