فهرس الكتاب

الصفحة 7299 من 27345

الدين النصيحة

الحمد لله السميع البصير، اللطيف الخبير، أحاط بكل شيء علمًا، ووسع كل شيء رحمة وحلمًا، هو الحليم الشكور، العزيز الغفور، قائم على كل نفس بما كسبت، يحصي على العباد أعمالهم، ثم يجزيهم بما كسبت أيديهم، ولا يظلم ربك أحدًا، هو العلي القدير، العليم بذات الصدور. أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، البشير النذير والسراج المنير، صاحبُ النهج الرشيِد والقول السديد، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد، فيا إخوة الإسلام: اتّقوا الله واخشَوه، ومن يَخْش اللّهَ وَيَتَّقه فأولئك همُ الْفائِزون.

إنَّ خيرَ ما وُعِظت به القلوب وهُذِّبت به النّفوس آياتٌ مِن كتاب الله تعالى أو أحاديث من كلام رسول الله، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمّيّينَ رَسُولًا مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ.

فألقوا الأسماعَ، وافتَحوا القلوب، وتفكّروا بالعقول في كلام سيّد البشر؛ لأنّ نبيّنا أوتيَ جوامعَ الكلِم واختُصر له الكلامُ اختصارًا. وقد تكون الكلمة الواحدةُ متضمِّنةً الإسلامَ بتعاليمه كلِّها، كقوله: (الإحسان أن تعبدَ الله كأنّك تراه) ، وقوله: (البرّ ما اطمأنّت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النّفس وتردّد في الصّدر وكرِهت أن يطّلعَ عليه النّاس وإن أفتاك النّاس) .

ومِن جوامع كلِمِه النّافعة المباركة التي جمعت الدّينَ الإسلاميّ كلَّه، واستوعبت مصالحَ الدين والدّنيا، قوله: (الدّين النصيحة، الدّين النصيحة، الدّين النصيحة) ، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامَّتِهم) . قال الإمام النووي عن هذا الحديث: جمع ربع الدين، لا بل جمع الدين كله.

فما مِن خير إلاّ تضمّنته هذه الكلمات، ولا شرٍّ إلا حذّرت منه فألفاظه القليلةُ جمعت المعانيَ النّافعة العظيمةَ الكثيرة. وهذا الكلام النبويّ المبارك فيه حصرٌ وفيه قصر، بمعنى أنّ الدين محصور ومقصور في النّصيحة، فمن اتّصف بالنّصيحة فقد أحرَز الدينَ كلَّه، ومن حُرم النصيحةَ فقد فاته من الدين بقدر ما حُرم من النصيحة.

وتفسير النّصيحة هي القيامُ بحقوق المنصوح له مع المحبّة الصادقةِ للمنصوح له، والحقوقُ تكون بالأقوال وتكون بالأفعال وإراداتِ القلب، قال الأصمعي رحمه الله:"النّاصح الخالص من الغلّ، وكلّ شيء خلُص فقد نصَح"، وقال الخطابيّ:"وأصل النّصح في اللّغة الخلوص، يقال: نصحتُ العسلَ إذا خلّصته من الشّمع".

والنّصح من صفاتِ الأنبياء والمرسلين والمؤمنين، والغشّ والخداع والمكر وفسادُ النوايا من صفات الكفّار والمنافقين، قال الله تعالى عن نوحٍ عليه الصلاة والسلام: (أُبَلّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون) ، وقال تعالى عن هود عليه السلام: (أُبَلّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبّى وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) ، وقال تعالى عن صالح عليه السلام: (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) ، وقال عن شعيب عليه السلام: (ياقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءاسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِين) ، وقال تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل والله غفور رحيم) ٍ، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:"بايعتُ النبيَّ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصحِ لكل مسلم". وروى الطبراني أن جريرًا اشترى من رجل فرسًا فقال البائع: بثلاثمائة فقال جرير: إنه خير من ثلاثمائة فما زال يزيده حتى أعطاه ثمانمائة، وروى ابن حبان أن جريرًا كان إذا اشترى شيئًا أو باعه قال لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك فاختر.

وروى أبو داود عن أبي هريرة والطبراني عن أنس رضي الله عنهما قال: (المؤمن مرآة المؤمن) . أي المؤمن ينصح أخاه ويريه عيوبه كما يرى الإنسان نفسه في المرآة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ قال: (حقّ المسلم على المسلم ستّ: إذا لقيتَه فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجِبه، وإذا استنصَحَك فانصَح له، وإذا عطس فحمِد الله فشمِّته، وإذا مرِض فعُده، وإذا مات فاتبَعه) . وعن جبير بن مطعم أنّ النبيّ قال: (ثلاثٌ لا يغلّ عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحة ولاةِ الأمر، ولزوم جماعة المسلمين) . ومعنى الحديث أنّ هذه الخلال الثلاث تصلح القلوبَ وتطهّرها من الخيانة والغلّ والخبائث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت