فهرس الكتاب

الصفحة 3387 من 27345

يتناول الدرس ماينبغي اتباعه عند حدوث الخلاف من التثبت وإخلاص النية وقبول الحق والحرص عليه، وعدم الجدال ورد الحق وغير ذلك من الآداب، ثم بعد الخلاف وثبوته تكون هناك آداب أخرى مهمة من إعذار المخالف، وحفظ الأخوة .

الحمد لله الذي لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون ... والصلاة، والسلام على النبي الكريم؛ الذي كان يستفتح صلاته بقوله: [ اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ؛ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ] رواه مسلم ،و الترمذي،و أبو داود،و النسائي،و ابن ماجه،وأحمد .

وعلى آله، وأصحابه، ومن سار على هداهم: من أهل الحق، والدين إلى يوم البعث والنشور، وبعد ..

فهذه قواعد جمعتها في الأدب الواجب على أهل الإسلام عند الاختلاف؛ عملًا بقوله سبحانه وتعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [ 10 ] { سورة الشورى . وقوله سبحانه: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ 59 ] { سورة النساء . وقوله تعالى: } وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [ 103 ] سورة آل عمران .

أسأل الله أن ينفع بها عباده المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وقد جعلناها مختصرة، موجزة ؛ ليسهل جمعها، ولا يعسر على طالب العلم التوسع فيها، وفهمها، والحمد لله رب العالمين .

1] التثبت من قول المخالف:

أول ما يجب على المسلم أن يتثبت في النقل، وأن يعلم حقيقة قول المخالف، وذلك بالطرق الممكنة كالسماع من صاحب الرأي نفسه، أو قراءة ما ينقل عنه من كتبه لا مما يتناقله الناس شفاهًا، أو سماع كلامه من شريط مسجل أيضًا مع ملاحظة أن الأشرطة الصوتية يمكن أن يدخل عليها القطع والوصل، وحذف الكلام عن سياقه؛ ولذلك يجب سماع الكلام بكامله، ولو أن أهل العلم يتثبتون فيما ينقل إليهم من أخبار لزال معظم الخلاف الذي يجري بين المسلمين اليوم، وقد أمرنا الله بالتثبت كما قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [ 6 ] { سورة الحجرات .وقال تعالى: } وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [ 36 ] سورة الإسراء .

وقد وقفت بنفسي _ أنا كاتب هذه السطور _ على حالات كثيرة من الخلاف، التي كان أساسها: التسرع في النقل، وعدم التثبت فيه، وعندما وقع التثبت تبين أن الأمر بخلافه.

2] تحديد محل التنازع والخلاف:

كثيرًا ما يقع الخلاف بين المخالفين، ويستمر النقاش، والردود، وهم لا يعرفون على التحديد ما نقاط الخلاف بينهم؛ ولذلك يجب أولًا قبل الدخول في نقاش، أو جدال: تحديد مواطن الخلاف تحديدًا واضحًا حتى يتبين أساسًا الخلاف، ولا يتجادلان في شيء قد يكونان هما متفقين عليه، وكثيرًا ما يكون الخلاف بين المختلفين ليس في المعاني، وإنما في الألفاظ فقط، فلو استبدل أحد المختلفين لفظة بلفظة أخرى لزال الإشكال بينهما ؛ ولذا لزم تحديد محل الخلاف تحديدًا واضحًا .

3] لا تتهم النيات:

مهما كان مخالفك مخالفًا للحق في نظرك، فإياك أن تتهم نيته، افترض في المسلم الذي يؤمن بالقرآن، والسنة، ولا يخرج عن إجماع الأمة، افترض فيه: الإخلاص، ومحبة الله، ورسوله، والرغبة في الوصول إلى الحق، وناظره على هذا الأساس، وكن سليم الصدر نحوه.

لا شك أنك بهذه الطريقة ستجتهد في أن توصله إلى الحق _ إن كان الحق في جانبك _ ، وأما إذا افترضت فيه من البداية سوء النية، وقبح المقصد، فإن نقاشك معه سيأخذ منحى آخر وهو إرادة كشفه، وإحراجه، وإخراج ما تظن أنه خبيئة عنده، وقد يبادلك مثل هذا الشعور، فينقلب النقاش عداوة، والرغبة في الوصول إلى الحق رغبة في تحطيم المخالف، وبيان ضلاله، وانحرافه.

4] أخلص النية لله:

اجعل نيتك في المناظرة هي: الوصول إلى الحق، وإرضاء الله سبحانه وتعالى، وكشف غموض عن مسألة يختلف فيها المسلمون، ورأب الصدع بينهم، وجمع الكلمة، وإصلاح ذات البين ، وإذا كانت هذه نيتك؛ فإنك تثاب على ما تبذله من جهد في هذا الصدد ، قال تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [ 2 ] سورة الزمر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت