فهرس الكتاب

الصفحة 4786 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

1-ضعف الالتزام:

مع مسيرة العمل الإسلامي في العصر الحديث، تبيّن بصورة واضحة أن البذل كان كبيرًا، والصبر كان كبيرًا، والمحاولات كثيرة، إلا أن العمل الإسلامي لم يدرك النجاح أو النصر فيما اعترضه من مشكلات وتحدّيات في مختلف المواقع. لقد توالت الهزائم والفواجع والنكبات بصورة تفرض الوقفة الإيمانية ومراجعة المسيرة، والبحث عن الأخطاء ومواطن الخلل.

الشعارات لم تخفِ الحقائق المؤلمة، والكِبْر لا يزيل المآسي، والإِصرار على الخطأ سيزيد البلاء والمحن. فلابدَّ من التوبة والمراجعة والعلاج.

لابد من بذل الجهد الصادق بنيّة خالصة لله، نيّة نرجو بها الله والدار الآخرة، عسى أن يَهدي الله القلوب إلى مراجعة سليمة ومعالجة صادقة.

لذلك نقدم هذا النهج بعد دراسة موسَّعة لنواحي كثيرة في الواقع: فكرًا وأحداثًا، فقهًا وممارسةً، أدبًا وتطبيقًا، مع ردّ جميع الأمور إلى منهاج الله.

إننا نهدف من هذا النهج لإِبراز أهم المشكلات في واقعنا اليوم، ووضع الحلول لها من خلال منهاج الله، ليكون هذا النهج موضع دراسة وتمحيص أمين، ليخرج الرأي بعد ذلك صادقًا أمينًا، ويساهم في نمو الجهود والبذل، وليظل التقويم، والنصيحة، والرأي الملتزم بشروطه الإيمانية، خطًا ممتدًا وقاعدة أساسية.

من أهم الأخطاء التي نودّ إِبرازها في هذه الكلمة ضعف الالتزام بمنهاج الله وضعف فهم الواقع من خلاله هذا لمن يتلو كتاب الله، ولكنَّ الملايين من المسلمين لا يتلون الكتاب ولا يدرسون السنّة. فقد تجد المسلم الذي يتلو كتاب الله ويحفظ منه ما أعانه الله عليه، ويدرس السنة، ثم ترى بعد ذلك من لا يلتَزمون ما يقرؤون ولا يطبّقون ما يعون. لو رجع أي مسلم اليوم ودرس واقع المسلمين لوجد أن كثيرًا من القواعد الأساسية المقررة في الإسلام منسِيَّة أو لا تُلَتَزَم. ولكنّ الذي يُخفي ذلك عواملُ نفسيةٌ من رغبة في التنصُّل، أو عدم رغبة بالاعتراف بالخطأ، أو خلل في الإيمان.

إن القضيّة الأساسية التي نثيرها الآن هي: الالتزام، التزام الكتاب والسنّة والتزام النهج القائم على الكتاب والسنة والملبي لحاجة الواقع.

مهما كان النهج دقيقًا وصحيحًا فإنه لا يُثْمِرُ ولا يفيد إلا إذا وُجِدت النيّة الصادقة والعزيمة الأكيدة، والرغبة الملحّة والحوافز الإيمانية، لتدفع هذه كلها صاحبها إِلى صدق الالتزام وأمانته.

ولا يصدق الالتزام إِلا إِذا توافر الوعي والدراسة والتدبُّر، ثم القناعة واليقين. عندئذ يمكن أن تنطلق الجهود لبناء"الجيل المؤمن". وبغير ذلك تذهب الجهود وتضيع، وتمضي السنون، وأحوال المسلمين تتناوبها الهزائم والفواجع تحت دويّ الشعارات والمزايدات.

أيُّها المسلم ! يجب أن تقف مع نفسك وقفة صادقةً لا تخدع فيها نفسك ولا الآخرين، ولا تظنّ أن الله غافل عما في الصدور. إنه سميع بصير عليم حكيم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

يجب عليك أَيها المسلم أَن تَقف مع نفسك وقفة طويلة لتقرّر هل ستلتزم، هل أَنت قادر على الالتزام والوفاء بالأَمانة والعهد ؟!

يجب أَن يحتَرِمَ المسلمُ نفسه ودينه ودعوته ! يجب أن يدرك أن هذا الدين حقٌّ من عند الله، لا يصلح معه إلا صدق الالتزام والوفاء بالأمانة والعهد. ولا يصحُّ في دين الله الإكراه، ولا يصحّ في الدعوة الإِكراه، والتّفلّت أو التهاون والتماس الأَعذار كلَّ حين، الأعذار الواهية بغية التفلّت وتسويغه.إن الدين جِدٌّ لا هزل فيه:

( إنهُ لقولٌ فصلٌ. وما هو بالهزل . )

[ الطارق:13،14 ]

ومن خلال التجربة سنين عديدة وضح أن الالتزام بالمعنى الإيمانيّ الربّانيّ يغيب في كثير من الأَحيان، أو كثير من الواقع. أو يكون الالتزام في جزء وتترك أجزاء أخرى كثيرة من هذا الدين، أو يأخذ الالتزام صورة من العصبيّة الجاهلية.

كثيرون يؤدون الصلاة ويصومون، وقد يحجّون، وقد يؤدون الزكاة، ولو سألتهم عن الشهادتين لأجابوا، اعتقدوا أن الأركان الخمسة كافية للمسلم ولا حاجة لأيّ نشاط آخر.

ولقد بيّنّا في دراساتنا السابقة أن الأركان الخمسة سُميّت أركانًا لأنها هي الأساس، ولأّنَّ هنالك تكاليف ربانيةً تقوم عليها، ولذلك شبّه الرسول صلى الله عليه وسلم تلك التكاليف الربانيَّة التي تؤلف الإسلام كله بالبناء الذي له أساس يقوم عليه، فلا يصحّ البناء دون أساس. فالشعائر ليست هي وحدها التكاليف الربانيّة، ولكنها هي الأساس والأركان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت