فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 27345

بقلم: مصطفى محمد الطحان

هو عويمر بن عامر بن مالك الأنصاري الخزرجي... المكنى بأبي الدرداء.

الإمام القدوة.. وحكيم هذه الأمة.. وسيد القراء.

صديق عبد الله بن رواحة في الجاهلية والإسلام.

آخى رسول الله بينه وبين سلمان الفارسي رضي الله عنهما..

قصة إسلامه

عندما همّ بالإسلام، وأراد أن يدخل في دين الله مؤمنًا: قال لزوجته: أعدي لي ماءً من المغتسل، فأغتسل، ولبس ملابسَ جيدة نظيفة. ثم ذهب إلى الرسول ، فنظر إليه ابن رواحة مقبلًا. فتبسم وقال: يا رسول الله هذا أبو الدرداء وما أراه إلا جاء في طلبنا؟

فقال عليه السلام: (إنما جاء ليسلم.. إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم) .

ترى لماذا تساءل ابن رواحة..؟ لقد كان لهذا التساؤل قصة..

لقد تأخر إسلام أبي الدرداء.. فقد كان له صنم يعبده.. وضعه في أشرف مكان في بيته..يضمخه كل يوم بالطيب, ويلقي عليه أفخر الثياب وأغلاها.. وذات يوم عزم عبد الله بن رواحة على أن يفعل شيئًا من أجل أخيه أبي الدرداء وليكن ما يكون.

انطلق ابن رواحة قاصدًا بيت أبي الدرداء.. أخيه وصاحبه وصديق عمره في الجاهلية.. فلماذا لا يجعله أخًا له في الإسلام..؟

فلما جاء بيته حيا زوجته واستأذن للدخول. فاستغربت زوجة أبي الدرداء الأمر، ولكنها لا تعلم عن صديق زوجها إلا خيرًا. فأذنت له..

ودخل ابن رواحة على صنم أبي الدرداء وأخرج فأسًا كانت معه وجعل يضرب الصنم وهو يردد:

ألا كل ما يدعى مع الله باطل..

ألا كل ما يدعى مع الله باطل..

حتى حطم الصنم.. وخرج متسللًا مع فأسه، وقد استراحت نفسه بما فعل.

وجاء أبو الدرداء إلى بيته عائدًا من عمله.. ولما دخل على زوجته وجدها تبكي، فقال: ما بك؟ فقالت: عبد الله بن رواحة.. قال: ماذا حدث منه..؟

قالت: جاء في غيابك، وحطّم صنمك.. وجعله قطعًا متناثرة..

وغضب أبو الدرداء.. وازداد غضبه عندما رأى صنمه في هذه الحالة المزرية.. وقف طويلًا.. أمام صنم كان يعبده.. ولكنه لم يستطع أن يردّ عن نفسه ضربات فأس..

ترى هل يستحق هذا الصنم كل هذا الاهتمام والتبجيل.. وهو لا يتجاوز أن يكون قطعة خشب.. لا تضر ولا تنفع؟!

ويحتاج العقل البشري أحيانًا إلى حادثة صغيرة أو كبيرة يستيقظ بعدها.. كأنها مفتاح المصباح.. ما أن يحركه حتى يملأ النور المكان.. وكذلك كان الأمر بصاحبنا أبي الدرداء.. فقد ملأ النور كيانه.. وبدأ يراجع نفسه.. ويسترجع شريط حياته.. ولكنه تاجر ناضج.. يستطيع أن يدير عمله وتجارته بمنتهى الإتقان.. فلماذا لم يفكر قبل اليوم بهذا الموضوع..؟!

وفهمها أبو الدرداء.. أنه الانشغال بالدنيا والاستغراق فيها إلى حدّ التشبع، لم يترك له فرصة للتفكير.. فما جعل الله لامرئ من قلبين في جوفه..

ولكن التجارة هي مصدر رزقه.. وتساءل: ولكن متى كان الرزق وسيلة للاستغراق في الدنيا.. حتى ينسى عقله.. ونفسه.. وتفكيره.. وربه..؟!

وعزم أبو الدرداء على تصحيح الخطأ..

فاغتسل.. لعل هذا الماء يذهب عنه أدران الشرك.. ورجس الغفلة.. وتوجه إلى رسول الله لينطق أمامه بالشهادة ويبايعه..

جاء إسلامه متأخراُ.. ولكنه كان حارًا متدفقًا.. ومع الكلمات التي نطق بها الصحابي الجليل أبو الدرداء وهو يردد كلمات الشهادة أمام رسول الله .. كانت من الجانب الآخر تبتعد عنه كل وساوس الدنيا وشياطينها.. وفهم يومها أن الاستغراق في التجارة هو واحدٌ من هذه الشياطين!!

وإذا كان اليوم سعيدًا بما فعل.. سعيدًا بإيمانه.. سعيدًا بطاعة ربه.. سعيدًا بتفقهه في دينه.. سعيدًا بحفظه للقرآن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار.. ولكن سعادته لن تكتمل حتى ينقل أحاسيسه إلى الآخرين.. ماذا فعل مفتاح النور بأبي الدرداء..

كيف أعاد له تشكيل عقله.. كيف أعاد له ترتيب أولوياته.. ليخبر إخوانه المؤمنين بهذه الأحاسيس.. فخيركم خيركم لأهله وإخوانه.

يعيد ترتيب أولوياته

جاءه رجل يسأل عن تجارته وأحوال ماله فقال:

(لقد كنت تاجرًا قبل عهدي برسول الله ، فلما أسلمت أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة فلم يستقم لي ما أردت، فتركت التجارة وأقبلت على العبادة، والذي نفسي بيده، ما أحب أن يكون لي اليوم حانوت على باب المسجد فلا تفوتني صلاة مع الجماعة، ثم أبيع واشترى فأربح كل يوم ثلاثمائة دينار..!! ثم استدرك قائلًا: إني لا أقول: أن الله عز وجل حرّم البيع، ولكني أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) .

التفكر والاعتبار

لقد غدا إنسانًا يتملكه شوق عارم إلى رؤية الحقيقية واللقاء بها.. سئلت أمه عن أفضل ما كان يحب من عمل.. فأجابت: التفكر والاعتبار.. لقد وعى تمامًا قول الله تعالى: )فاعتبروا يا أولي الألباب(..

فكان يحض نفسه وإخوانه على ذلك.. ولطالما ذكرهم فيقول: (تفكُرُ ساعة خيرٌ من عبادة ليلة) ..

ذلكم هو أبو الدرداء المتعبد.. الحكيم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت