الحمد لله علي الشأن ، عظيم السلطان ، يسأله من في السموات والأرض ، كل يوم هو في شأن .
أحمده سبحانه ، حمد الشاكرين ، وأستغفره استغفار المذنبين التائبين ، وأسأله سؤال العابدين القانتين . وأثني عليه ثناء الأنبياء والمرسلين .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، رب العالمين ، وإله الأولين والآخرين ، يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ومصطفاه وخليله ، سيد المرسلين ، وخاتم النبيين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ، ومن سار على نهجهم ، واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلم تسليما .
أما بعد ، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين ، كما قال سبحانه: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله . كما أن تقوى الله تعالى وصية النبي الكريم ، والحبيب الرحيم ، صلى الله عليه وسلم لنا جميعا ، كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقلنا: يا رسول الله ، كأنها موعظة مودع فأوصنا ، قال: أوصيكم بتقوى الله .
عباد الله: أسئلة ،،، يوجهها القرآن الكريم للعقلاء ، يبحثون عن ما ينفع ويفيد .
أسئلة ،،، يوجهها القرآن للحكماء ، يبحثون عن الحرية من أغلال العادات والتقاليد .
أسئلة يوجهها القرآن لأولي الألباب ، يتفكرون في خلق السموات والأرض ، فيرون السماء ليس بها فطور ، ويرون الأرض مستقرة بهم لا تميد .
أسئلة يوجهها القرآن للناس كافة ، فلا يفقهها إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
أسئلة ،،، تقشع سحب الدخان الذي يغشى أعين أهلِ الغواية ، وتزيل الران من قلوب الغافلين عن سبل الهداية ، فتنير الطريق لمن أراد أن يسلك سبيل النجاة ، وتقيم الحجة عليه بينة دراية ورواية . فتهز عقله ليفكر ، وتروي له قصص الأولين ليكون له بهم عبرة وآية ، تشرح له ببيان تام الوضوح قصة البداية والنهاية ، وما بين ذلك من أحداث يتصرف فيها بوحدانية وتفرد ، وحكمة بالغة ، الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء شهيد .
عباد الله: القرآن يسأل ، وهو نفسه يجيب ، ويتعجب من حال من يفقه ويعلم ، ثم لا يستجيب ! وحق لنا أن نعجب ممن يرى ويبصر الآيات والنذر ، ثم لا يقلع عن غيه ولا ينيب ! فهم بربهم يشركون ، ومن عذابه لا يشفقون ، ويغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولا يزالون في شك مريب ! أفي الله شك ؟ أفي الله شك ؟ أفي الله شك فاطر السموات والأرض ؟
فاستمع يا رعاك الله إلى هذا السؤال وكرره على نفسك ، وانظر إجابته فيمن حولك ، وأتبعه بأسئلة متتالية ، تقرع الأسماع ، وتقطع الأطماع ، إلا فيما عند الواحد القهار ، المانع الضار ، العزيز الحميد .
ألا فأجيبوا أيها العقلاء ، أيها الأحرار من أغلال التقليد ، وسلاسل الشيطان المريد . أجيبونا فأخبرونا: لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ؟ لقد أجابوا قديما ، وهو نفس الجواب حديثا: فسيقولون لله ! قل أفلا تذكرون ؟ قل: من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ؟ سيقولون: لله ! قل: أفلا تتقون ؟ قل: من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، إن كنتم تعلمون ؟ سيقولون: لله ! قل: فأنى تسحرون ؟ ما الذي سحر عقولكم ؟ ما الذي أذهب ألبابكم ، ما الذي شتت أذهانكم ؟ وأنتم ترون الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء ، ولا تملكون من التصرف فيه شيئا ، فأين تذهبون ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟ أم لكم كتاب فيه تدرسون ، إن لكم فيه لما تخيرون . بل أتيناهم بالحق ، وإنهم لكاذبون ، ما اتخذ الله من ولد ، وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ، سبحان الله عما يصفون ، عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون . بل هو الله العزيز الحكيم .
هذه الأسئلة لن يكون الجواب عنها إلا كلمة واحدة ، وجواب واحد ، هو التوحيد ، لا إله إلا الله ، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون .
أيها الحبيب: استمع إلى سؤال القرآن ، وتأمل إجابته ، وقف مجلا مكبرا لمن بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون . واسألهم: أمن خلق السموات والأرض ، وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ، أأله مع الله ؟ بل هو قوم يعدلون . أمن جعل الأرض قرارا ، وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي ، وجعل بين البحرين حاجزا ، أأله مع الله ؟ بل أكثرهم لا يعلمون . نعم والله إن أكثرهم لا يعلمون الحق ، فهم معرضون .