فهرس الكتاب

الصفحة 2707 من 27345

د. خالد شوكات:موقع الشفاف 1/8/2004

العلمانية الأندونيسية..

في عمق"جاوة"أهم جزر الأرخبيل الأندونيسي، وعلى مقربة من بركان"ديينغ"شبه الخامد، الذي ما فتئ يهدد جيرانه بحمم النار كل حين.. في منطقة جبلية وعرة، تكسوها الغابات الاستوائية الخضراء، وتنتشر في منحنياتها ووديانها قرى

الفلاحين الأندونيسيين البسطاء.. في هذه البقعة التي تفصلها عن مكة المكرمة يابسة وبحار وآلاف الأميال، والتي لم تكن معروفة للعرب حتما على أيام النبي العربي صلى الله عليه وسلم..استمعت إلى الآذان يدعو الناس إلى صلاة الجمعة، يتردد في الوديان والسهول من عشرات المآذن، وسمعت آيات الكتاب الكريم يرددها الصدى، وتلتقفها آذان أناس يجلونها لكنهم حتما لا يفهمونها...

تساءلت: أترى كان محمد صلى الله عليه وسلم يعلم أن جزرا نائية جدا تخفيها مياه البحار المظلمة، ستردد كلمات الله المرسلة إليه وسيهب سكانها الذين تجاوزوا المائتي مليون لتلبية نداء الدين الذي جاء به مبشرا ونذيرا..أتراه كان يعلم أن قوما أعاجم، مزارعون بسطاء، كهولا وشبابا ونساء، يتركون أعمالهم وأموالهم وأرزاقهم، يذرون البيع والشراء، ليعمروا مساجد لا ينطق قرءانها بلغتهم، وليحبوا نبيا ليس من بني جلدتهم، وليخلصوا لدين قرونا طويلة ولا يزالون، أتى به إليهم تجار غرباء..

ما أكثر مساجد أندونيسيا وما أجمل حلتها.. في الطريق من"باتوردان"البعيدة عن البحر وسط جاوة، إلى"جوغجا"عاصمة البلاد التاريخية، حيث لا يزال السلطان"هامنغ كوبويونو"يحكم منذ القرن الثامن عشرة، اضطر سائق السيارة التي تقلنا إلى التوقف العديد من المرات، فبناة المساجد في القرى والأرياف الاندونيسية لا يتوقفون عن حركة التشييد والبناء، يطلبون مساعدة أهل البر والإحسان، التصدق ببعض مالهم للبدء في إعمار مسجد، أو استكمال بناء آخر شرع في إقامة أعمدته.. وكل قرية لا بد لها من مسجد أو أكثر كما سمعت، فيما يتبارى الجميع لتشييد الأفضل والأجمل..

مساجد أندونيسيا، تؤدي وظائف أكثر من تلك التي تعرف عندنا في البلاد العربية، وهي مساجد ذات إدارة خاصة، غير خاضعة لتوجيه إدارة حكومية أو سلطة وزارية، وهي إلى كونها بيوتا للعبادة والصلاة مدارس لتعليم البنين والبنات أصول الدين وبعضا من سور القرءان الكريم ومبادئ اللغة العربية، كما هي مراكز لنشر الدعوة الإسلامية بين غير المسلمين، وهم ليسوا كثرا في أندونيسيا، ومؤسسات اجتماعية وخيرية لإصلاح الصلات العائلية الفاترة ومساعدة الأرامل والأيتام والفقراء وسائر المحتاجين...

تحرص مساجد أندونيسيا أيضا على تنظيم دورات للذين قرروا الحج أو العمرة لبيت الله الحرام، تعلمهم الانضباط في آداء المناسك واحترام قدسية المكان ونظافته والتأدب والتلطف في معاملة زواره، ومن هنا فهمنا سر السمعة الطيبة التي يحظى بها الحجيج الأندونيسيون مقارنة بغيرهم، ومردها تلك الصلة القوية التي تربطهم بمساجدهم، وذلك الدور التربوي الخالص الذي تضطلع به هذه المساجد في تكوين وتأهيل المؤمنين.

في مسجد"الاستقلال"بالعاصمة جاكرتا، وهو مسجد جامع عظيم البناء، يقال أنه الأكبر من نوعه في منطقة جنوب شرق آسيا، وجدنا مئات من طلبة المدارس الابتدائية والثانوية، يتابعون دروسا في القرءان واللغة العربية، بعد انتهائهم من الدوام في المدارس الحكومية..وقد كان لافتا للنظر أن للصلاة زيا خاصا، يقبل الطلبة من الاناث خصوصا، على ارتدائه حين يحين وقت صلاة الجماعة، كما كان لافتا أيضا أن موقع الطالبات في الصلاة لا يوجد في مؤخرة المسجد كما هو الحال في غالبية المساجد في البلاد العربية، بل في صدر المسجد.

في الطريق الطويل المتشعب من جاكرتا إلى بوغور إلى باندونغ إلى جوغجا، رصدنا عشرات معاهد التعليم الإسلامي، المتخصصة فيما يبدو في تكوين وإعداد أئمة المساجد والوعاظ والخطباء، وقد رفعت في مداخلها لافتات تعرف بها، يحتل الحرف العربي أعلاها، وقد بلغنا أنها جميعها مؤسسات خاصة أنشئت بمساعدات وأموال الصدقات والزكاوات التي يجود بها الخيرون من أبناء الشعب الأندونيسي المسلم.

وفي جاكرتا وجوغجا وباندونغ وغيرها من مدن جاوة الكبرى، لاحظنا أيضا أن كبريات المحلات التجارية، التي تعرض منتجات أشهر الماركات العالمية، لا تخلو من أجنحة خاصة بالألبسة واحتياجات الشرائح المتدينة في المجتمع الأندونيسي، وهي ألبسة ومنتجات قد جمعت في الغالب بين سعي إلى الالتزام بالضوابط الشرعية ورغبة في مسايرة تيارات الموضة والحداثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت