أخرج الإمام أحمد بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم , [أو قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ] بني عبد المطلب , فيهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفَرَق (الجذعة الشاة الصغيرة , والفرق بفتح الراء مكيال يتسع لستة عشر رطلًا , وقوله"كلهم"أي كل واحد منهم) !
قال فصنع لهم مُدًّا من طعام , فأكلوا حتى شبعوا , قال: وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمسَّ, ثم دعا بغَمْر (يعني بشراب كثير ) , فشربوا حتى رَوُوا , وبقي الشراب كأنه لم يمس , - أو لم يُشرب- فقال: يابني عبد المطلب , إني بُعثت لكم خاصة وإلى الناس بعامة , وقد رأيتم من هذه الآية مارأيتم , فأيُّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ قال: فلم يقم إليه أحد , قال: فقمت إليه وكنت أصغر القوم, قال: فقال: اجلسْ قال: ثلاث مرات , كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس , حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي(مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر 2/ رقم 1371 , وقال أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح .
وذكره الإمام الهيثمي من رواية الإمام أحمد وقال: رجاله ثقات - مجمع الزوائد 8/302).
وهكذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعشيرته الأقربين فدعاهم إلى الإسلام وحماية دعوته فلم يستجب منهم غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الرغم من مشاهدتهم تلك المعجزة الظاهرة من تكثير الطعام والشراب وبقائه بعد أكلهم وشربهم وكأنه لم يمس , مع أن فيهم - كما في الرواية- من اشتهروا بكثرة الأكل والشرب .
لقد اجتمع في ذلك الموقف أكابر بني عبد المطلب ومع رهبة الموقف فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبدى استعداده ثلاث مرات لبيعة النبي صلى الله عليه وسلم رغم صغر سنه وهذا دليل واضح على قوة إيمانه وشجاعته المبكرة التي أصبحت فيما بعد مضرب الأمثال .
مثل من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ( إسلام عبد الله بن مسعود )
لم يقتصر منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم المشتمل على اللطف والتودد على الأكابر وزعماء القبائل , بل نجده يعامل بهذا المنهج الغلمان الضعفاء .
ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الإمام أحمد بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط , فمرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال: ياغلام هل من لبن؟ قلت: نعم ولكني مؤتمن , قال: فهل من شاة لم يَنْزُ عليها الفحل ؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر , ثم قال للضرع: اقلص , فقلص قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يارسول الله علمني من هذا القول , قال: فمسح رأسي وقال: يرحمك الله فإنك غلَيِّم معلَّم"(وقد ذكر الحافظ الهيثمي هذا الخبر من رواية الإمام أحمد وأبي يعلى , وقال: ورجالهما رجال الصحيح - مجمع الزوائد 6/17 .
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي رحمه الله تعالى بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه , وذكر مثله .
وذكره الحافظ ابن كثير والحافظ الذهبي , وصحح الذهبي إسناده - البداية والنهاية 3/32 , سير أعلام النبلاء 1/465 ).
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يحتقر هذا الغلام الذي لم يكن ينتمي لقبيلة قريش وليس له عشيرة بمكة, بل اهتم به وقدر مايتمتع به من خلق الأمانة الذي يدل على أنه عنصر زكي , فأثنى عليه بالعلم والفهم وأقرأه القرآن حتى أصبح بعد ذلك من قراء الصحابة وفقهائهم .