محمد السيد
قال تعالى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبثس ما كانوا يفعلون) (النحل _ 112 _ )
أفسح لقلبي ساحة حرية ، كي يفرغ في ميادينك رحيق الروح، ادن مني، أهمس في أذن الجميع حداثق النصح، تفتح أبوابها للحب ، لشواطئ الأمان العذبة ، لفصول من الزمان تستعيد اللحظات النقية الآمنة ، يتجاذبها حاضر الأحزان ، فترقؤه رقية لا تترك لظمأ الأيام أن ينثر في العروق دماء الأوهام ...
انظر إليهم .. جموع تفوح منها لوعات حنين إلى لحظة أمان ، ها هم يتناجون بما سيكون . وقد ألقتهم الكهانات إلى أيدٍ غريبة ، تعبث بهم ، كما يعبث الخنزير في أرض طرية رطبة ، تكاد خضرتها تشرف على الذبول ... وهم في حضن الردى ، والقوارب الغبية تناوش أجفان الحقيقة ، وهي تطبق على البصيرة أهدابًا غبراء ، تلطخت بالمنكر الذي صار في ناديهم على المدى معروفًا
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وتحولت نواديهم وفضائياتهم بين ليلة وضحاها إلى جسد وكأس وذهول ومعاقرة ذل ، خيم منذ الكلمة الخديعة يثرثر بها متفيهقو الواقعية ، وحتى الفعل من رسمييهم أصبح يجرجرهم إلى قاعات حضور ذلك الذي غرق بأوهام قوته .. ليتركهم يتقلبون في حمآت زمانه النكد .. يقلب الأرض يحرثها بالخراب والدمار وهم من فزع ومن هلع على مواقع لهم ، يحاولون لملمة الحواشي والفتات من على الموائد اللئيمة ، ولو كان في ذلك هلاك الزرع والضرع والأفلاك .
"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه"، ولا يفقهون أن في ذلك الذي يفعلونه في ساحات المنكر وبين أحضانه تكمن النهايات الأليمة والمآلات الفاضحة . ولا يعلمون أن مكامن الأدواء ترقبهم ، وأجسامهم وعقولهم غير حصينة ؛ فقد أغلقوا نوافذ السمع ، فلا تصل إليهم صيحات الإنذار أو نداءات النصح ، كما أنهم أهالوا على مدنهم سجفًا من الليل يفتك بالهدى ، ويزجي صولاته بين الآمنين ، يقفز على بيوتهم يغارات غدت من كثرة تكرارها مشهورة بالغثى ، مذكورة بالإظلام ، فلا شمس و لا قمر يهديان في هذه العتمة الشاسعة الأبعاد المقارفة للأهوال ، تلقي بجرانها في أحضان الأوطان ، لتنقلب الأوطان إلى جحور لا تشهد نورًا ، ولا تذكر فصولًا تعبر الساحات .. إنها اللعنات تحضر في ساعات الاستحقاق ، حين يغيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون".
و إنها للسعات الجوع ، ورهاب الخوف ، يحلان في الديار ، حين يهرب الجمع من توجيه الله ، ويكفر القوم بأنعمه:"وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون".
فتلك هي مكامن الأدواء إذن:"لا يتناهون عن منكر فعلوه"، ولا يأمرون بمعروف أُمِرُوه ، ويكفرون بأنعم الله التي وُهِبُوها ... وتلك هي المآلات المعدة: الإبعاد من الرحمة الربانية ، ولعنات الجوع والخوف والذل المقيم:"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ..."، و"فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون".
وها أنت ترى اليوم كيف أصبحت شموسنا ذابلة ..! وأشرعتنا مطوية ، فقد تقوقعت مقولاتنا ، وانزوت في جحور ترفع رايات الآخرين ، واستلم زمامها غرقى ضجيج الحداثة الآفلة ، التي روت حكايات مزورة لرواقات مزيفة .. ثم انسلّت بعد أن رمتنا بدائها العضال .
تقول لهؤلاء: إن الفصول تتوالى ، ولكن لا يمكنك الجزم بأن الحديث منها خير من الذي مضى .. إذ أنه لولا الشتاء لما كان الربيع ، ولولا زهر الربيع لما كان ثمر الصيف ، ولولا حرارة الصيف لما جفت أوراق الخريف . فالحداثة الحقة إذن متوالية تتداخل عناصرها القديمة بالجديدة بالمستقلية تداخل بناء واستيعاب واستنتاج ، ثم تواصل مستمر بين أفكار الأجيال من خلال الاحترام المخترق لتنمية الاستمرار المضيف أبدًا إضافات متأصلة مؤسسة فوق الماضي والحاضر لبناء الأسعد من المستقبل:"والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم"لكنهم ( غرقى ضجيج الحداثة ) يخذلون عقولهم ليقولوا: لا يمكن بناء الحديث إلا بهدم ما كان ، وإن التمسك بروح النص:"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه"جمود يوقف عملية التحديث والانفتاح على الآخر .. ألا ساء ما يزرون ...!