قد كثرت الجماعات , واتسعت دائرة الخلاف بين المسلمين ؛ بسبب قلة العلم , وشهوة التصدر , وغلبة الهوى , والتحزب على أفراد أو جماعات فتت كيان الأمة , حتى عظمت الفرقة بين المسلمين , وأصبح الغالب لا يدعو إلى الدين الخالص , وعظمت المنافسة في تكثير الأتباع , حتى أصبح بعضهم يرمي بعضا ربما بالمروق من الإسلام - وإلى الله المشتكى ، وتمثّل ذلك في استنادهم واستدلالهم لصحّةِ مذهبهم ـ زعموا ـ على الكتاب والسنّة , والاستدلال بالطرق الكلاميّةِ , والحجج العقليّه ، والقصص غير الواقعية , حتى إن السامع ليغترّ بحلاوة كلامهم , وقوّةِ حججهم ، ويظنُّ أن الحقّ معهم , حتى نرى الأمة كل يوم في انشطار , فكلما وقع خلاف بين فريق انشطر إلى فرقٍ وجماعات .
لذا فلا يتعجّب إنسانٌ من كثرةِ سوادهم , وتهافت أتباعهم ، فإنّ العبرة ليست بالكثرة وتكثير السواد ، بل ولا يصح لنا أن نجعلها ميزانًا للحق ؛ كيف ؟ وقد قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) } [سورة الأنعام 6/116] ، وقال أيضًا: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) } [سورة يوسف 12/103] وقال أيضًا: {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) } [سورة المائدة 5/100] .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الجماعة , ما وافق الحق , ولو كنت وحدك . (1 )
وقال الفضيل ابن عياض ـ رحمه الله ـ: عليك بطريق الهدى , وإن قلّ السّالكون , واجتنب طريق الرّدى وإن كثر الهالكون . ( 2)
ولهذا نجد أنّ الحقّ ـ عند الكثير من الناس ـ غير مألوف ، وقَدْ فَهِم هذا الأمر الإمامُ الأوزاعي ـ رحمه الله ـ حين قال: عليك بآثار من سلف , وإن رفضك الناس , وإياك وآراء الرجال , وإن زخرفوه بالقول ، فإن الأمر ينجلي , وأنت على طريق مستقيم (3 ) , وذلك لمّا علم بأن الحقّ في غُربة ، وهو مستنكرٌ لدى الكثير من الناس .
وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة ( 4) : وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة , فالمراد به لزوم الحق واتباعه , وإن كان المتمسك به قليلا , والمخالف له كثيرا , لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم , ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم . قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا باليمن , فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام , ثم صحبت بعده أفقه الناس , عبد الله بن مسعود رضي الله عنه , فسمعته يقول: عليكم بالجماعة , فإن يد الله على الجماعة , ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها , فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة , وصلوا معهم فإنها لكم نافلة . قال: قلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثونا ؟ قال: وما ذاك ؟ قلت: تأمرني بالجماعة , وتحضني عليها , ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة , وصل مع الجماعة وهي نافلة ؟! قال: يا عمرو بن ميمون , قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية , تدري ما الجماعة ؟ قلت: لا , قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة .
الجماعة ما وافق الحق , وإن كنت وحدك . وفي طريق أخرى , فضرب على فخذي , وقال: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة , وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل .
قال نعيم بن حماد: يعني , إذا فسدت الجماعة , فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد , وإن كنت وحدك ؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ . ذكره البيهقي وغيره .
وقال ابن شامة: عن مبارك , عن الحسن البصري , قال: السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي , فاصبروا عليها رحمكم الله , فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى , وهم أقل الناس فيما بقي , الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف (5 ) في أترافهم , ولا مع أهل البدع في بدعهم , وصبروا على سنتهم , حتى لقوا ربهم , فكذلك إن شاء الله , فكونوا .
وكان محمد بن أسلم الطوسي , الإمام المتفق على إمامته , مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه , حتى قال: ما بلغني سنة عن رسول الله إلا عملت بها , ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك , فسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث إذا اختلف الناس"فعليكم بالسواد الأعظم"فقال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم , وصدق والله , فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة , داع إليها فهو الحجة , وهو الإجماع , وهو السواد الأعظم , وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ؛ ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا . أهـ