الجمعة 30 ذي القعدة 1397 / 11 تشرين الثاني 1977
( 1 من 5 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
فقد فرغنا في الجمعة الماضية من الحديث عن سورة القمر ولمّا نكد ، وكل سورة بل كل آية من آي الذكر الحكيم تتطلب من المؤمنين المزيد من الإمعان والتدبّر ، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا أن نبذل قصارى ما في جهدنا من الفهم عن الله جل وعلا ، نعنى ما أراد في محكم تنزيله وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .
وها نحن الآن نستقبل السورة السابعة والثلاثين في سياق التنزيل وهي سورة ( ص ) وعدد آياتها ثمان وثمانون آية ، وهي مكية بالإجماع ولعلها تكون من بواكير ما نزل من كتاب الله تعالى في المرحلة المكية بحيث تنتمي كما تكشف عن ذلك موحياتها وإشاراتها إلى نفس المنظور الزمني الذي حددناه للحديث عنها .
وطبعًا ككل سورة من السور التي تبلغ حدًا معينًا من الطول وتنوع الأغراض فإن من غير الحكمة أن يصار إلى استعراضها مرة واحدة ، لأن ذلك فوق الطاقة ، ولو أن أحدًا أطاقه لجنى دون ريب على جملة القضايا التي عرضت لها السورة الكريمة والتي ينبغي للمسلمين اليوم أن يتعرفوا عليها تعرفًا واضحًا ومستقيمًا .
قبل هذا لا بد أن نعيد إلى أذهان الإخوة ما يساعد على فهم الجواء التي تحركت فيها آيات هذه السورة الكريمة ، فالدعوة وحتى الآن بل وحتى الوقت الذي نزلت فيه سورة ( ص ) مرت بمراحل يشبه أن تكون قابلة للتمييز ، ففي بداية الدعوة كان الاستنكار والاستغراب المصحوبان بعدم المبالاة والاستهجان والاستخفاف ، كشأن الناس مع كل جديد يلقى إليهم ويصافح أسماعهم ، ثم لما تبيّن للمشركين إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على الوقوف مع كلمات ربه كان بعد موقف الاستكبار والاستعلاء ومحاولة الصدّ بالقوة أو بالزجر على اعتبار ـ وهذا أيضًا يتساوق مع طبائع الأمور وسنن الاجتماع ـ على اعتبار أن الجهة الأقوى لا ترى ضرورة ماسة إلى استعمال ما هو أعنف إذا كان ما هو أخف منه يقوم مقامه ، وعهدنا دائمًا في كل مجتمع من المجتمعات أن الطبقات العليا ومن بيدهم أزمّة الأمور يرون الدعوات الوليدة شيئًا لا يتقاضاهم أكثر من التجهّم والاستنكار ، ولكن الدعوة تمضي والمؤمنون يزدادون عددًا والناس يفتحون آذانهم لهذا الكلام المعجز الذي يتلوه عليهم محمد صلى الله عليه وسلم مما لا عهد لهم بمثله حتى إنهم وهم الخصوم الألداء وقادة الكفر ورؤوس الشرك لم يقدروا على أن يمنعوا أنفسهم من أن يتسللوا لواذًا تحت جنح الليل لينصتوا إلى قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في صلاته في جوف الليل .
فكان بعض العدوان ، وانصب العدوان في معظمه على المستضعفين ، ورافقت ذلك حملة دعاوى استهدفت صدّ الناس عن الاستماع للذكر ، حتى إنهم ليأخذون أفواه الطرق وسكك مكة كي يبلغوا الوافدين عليها من القبائل أن لا يلقوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وأن لا يستمعوا إليه ، لأنه يقول كلامًا يشكل خطرًا على كيان الأمة وعلى كيان الأفراد والأسر جميعًا فكانت قالتهم المشهورة إنه جاء بسحر يفرق به بين المرء وزوجه ، وبين الرجل وولده ، وبين الولد وأبيه ، ولكنها ألاعيب صبية وحيلة عاجزين . فالمسألة هي خلاف كل ما جرّب الناس من قبل ، ليست نزوة فرد ولا شهوة طامع ، ولا شره إنسان تتحلّب أشداقه على ما عند الناس ، وإنما هو كلام الله ودعوة الله تعالى إلى الناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم .
وإذًا فالعرب المكيون وُوجهوا بشيء لا يملكون معه حيلة ، كما لا يملكون له ردًا ولا يطيقون له دفعًا ، فما الذي يكون ؟ إن الذي يقضي به طبائع المجتمعات وسننها وقوانينها أنك لا تستطيع أبدًا وبصورة مستمرة أن تبقى على وتيرة واحدة في الحرب والنضال ، لا بد من تنويع الأسلحة ، ومع تنويع الأسلحة والمستويات التي تقاتل عليها فأنت خلال ذلك ولأجل أن تحمي من حولك ممن هم على مشربك وعلى منهجك أنت مضطر لأن تنظر إلى هذا الشيء الذي يقال ، من هنا ومنذ عدد من السور قلت لكم إن المشركين استنفذوا على الأقل مؤقتًا بعض الطاقة على رعونة المجابهة ، على لا عقلانية المجابهة ، على المجابهة الفاشلة ، ووجدوا أنفسهم في مواجهة أمور وقضايا لا تفلح فيها سفاهة السفهاء ولا تجدي في ردها اختلاقات الأكاذيب ، ولا بد من مواجهتها ، ولا بد من النظر فيها ، وإذًا فقد أصبحت آيات الله جل وعلا منذ ذلك الحين تأخذ منحى آخر يواجه أمورًا جدية وبالغة الخطورة .