د. محمد عمارة*
الشورى: مصطلح إسلامي خالص وأصيل ... وهو اسم - من"المشاورة"- التي تعني، في اصطلاح العربية: استخراج الرأي ... فهي فعل إيجابي، لا يقف عند حدود"التطوع"بالرأي ... بل يزيد على"التطوع"الى درجة"العمل"على استخراج الرأى/ استخراجًا واستدعائه قصوًا ؟
وإذا قلنا: أشار فلان على فلان بالرأي ... فإن معناه - في اصطلاح العربية: أمره به! .. وليس مجرد إبراء الذمة بإلقاء الرأي فقط؟!...
والشورى، في الفكر السياسي الإسلامي، هي فلسفة نظام الحكم ... والإجتماع ... والأسرة ... لأنها تعني إدارة أمر الإجتماع الانساني، الخاص والعام ، بواسطة الائتمار المشترك والجماعي، الذي هو سبيل الانسان للمشاركة في تغيير شئون هذا الاجتماع ... فالشورى، أي الائتمار المشترك، هي السبيل إلى الإمارة، أي القيادة والنظام والسلطة والسلطان إمارة الإنسان في الأسرة ... وفي المجتمع ... وفي الدولة ... أي في تنظيم المجتمع وحكمه، صغيرًا كان المجتمع أو كبيرًا ...
ولما كان التصور الفلسفي الإسلامي لوجود الإنسان في هذه الحياة، ولوظيفته ومكانته فيها، ولعلاقته بالآخرين، قائم على حقيقة أن هذا الإنسان مخلوق لله سبحانه وتعالى، ومستخلف عنه في عمارة الكون ... كانت مكانة الإنسان في العمران هي مكانة الخليفة عن الله ... فهو ليس سيد الكون حتى تكون حريته مطلقة دون حدود، وشوراه وائتماره وإمارته وسلطته دون ضوابط وأطر ... وفي ذات الوقت، فإن خلافته عن الله سبحانه تعني وتقتضي أن تكون له سلطة وإرادة وحرية وشورى وإمارة تمكنه من النهوض بتكليف العمران لهذا الوجود ... فهو، لهذا ليس الكائن المجبر المسيَّر المهمش بإطلاق ...
إنه في المكانة الوسط ... ليس سيد الكون ... وليس العبد المجرد من الحرية والإرادة والاستقلال والمسئولية ... وإنما هو الخليفة عن سيد الكون، وله في أطار عقد وعهد الاستخلاف السلطات التي تمكنه من النهوض بمهام هذا الاستخلاف.
وانطلاقًا من هذه الفلسفة الاسلامية، في مكانة الانسان في هذا الوجود، يتميز المذهب الاسلامي في"إطار الشورى"... فبنود عقد وعهد الاستخلاف الإلهي، التي هي قضاء الله الحتمي في كونه ... وكذلك احكامه التي جعلها إطارًا حاكمًا لحرية الإنسان وسلطاته ... هي"الوضع الإلهي"، الذي تظهر فيه عبودية وما { المخلوق للخالق، وقضاء الله الذي لا شورى فيه ولاخيار ولا اختيار كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرًا ان يكون لهم الخبرة من . } أمرهم ومن بعض الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا
هنا، وفيما يتعلق بهذا الإطار الحاكم، نحن أمام"سيادة الله ... وحاكميته"، المتمثلة في قضائه الحتمي، وشرعيته الممثلة لبنود عقد وعهد الاستخلاف ... على الخليفة - الانسان - أن يجعلها الإطار الحاكم لحريته وشوراه ولسلطته وإمارته، ولحركته أثناء قيامه بالوكالة والنيابة والاستخلاف...
وإذا كان الإنسان قد اختار -دون سائر المخلوقات- حمل أمانة الخلافة في عمران هذه إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها { الأرض . فإن الله سبحانه } وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا وتعالى، إعانة منه للإنسان على أداء هذه الأمانة، قد ميزه بالاختيار والحرية، ودعاه إلى أن يمارس"حاكمية إنسانية"و"سلطة بشرية"، هي مُرادة لله سبحانه وتعالى، ومُفّوَّضه منه للإنسان كجزء من استخلافه لهذا الإنسان ... وبعبارة الإمام ابن حزم الأندلسي { 384، 456هـ، 994 - 1064م } :"فإن من حكم الله أن يجعل الحكم لغير الله"، أي أن جعل للإنسان حاكمية السلطة التي ينفذ بها حاكمية شريعة الله، لينهض بالأمانة التي فوضها إليه الله ...
وإذا كان الانفراد بالرأي والسلطة، في أي ميدان من ميادين الرأي والسلطة، هو كلا إن الانسان ليطغى، أن رآه { المقدمة للاستبداد والاستفراد والطغيان وهي سنة قرآنية، صدق عليها تاريخ الانسان والنظم والحضارات ... } استغنى فان المنقذ للانسان وللعمران البشري من هذا الطغيان هو نظام الشورى الاسلامية، الذي يكفل للإنسان -مطلق الإنسان- المشاركة في تدبير شئون العمران، صغيرها وكبيرها، فتنجو دنياه من الطغيان، وذلك دون أن يطغى هذا الإنسان على التدبير الإلهي المتمثل في الشريعة الإلهية، والتي -هي الأخرى- مقوِّم من مقوِّمات العدل في هذا العمران.
ولهذه الحقيقة - من حقائق مكانة الشورى - جعلها الإسلام"فريضة إلهية"، وليست مجرد"حق"من حقوق الإنسان ... أي أنه لا يجوز للإنسان أن يتنازل عنها حتى بالرضا والاختيار إن هو اراد! ... كما عمم الإسلام ميادينها لتشمل سائر ميادين الحياة الإنسانية، العام منها والخاص ... من الأسرة ... إلى المؤسسة الى المجتمع ... إلى الدولة ... إلى الاجتماع الانساني ونظامه الدولي وعلاقاته الدولية!... فهي ليست شأنًا من شئون النظام السياسي للدولة لا تتعداه...