فهرس الكتاب

الصفحة 8228 من 27345

وبعد هذه العُجالة حول مفهوم الديمقراطية وتطبيقها وما تحمله من سلبيات على المجتمع وعلى الأمة فلا ينبغي لنا إلا العودة إلى الأصول التي شرعها الله لنا وسار عليها السلف الصالح رضوان الله عليهم فعدلنا عنها نتيجة الغزو الفكري والاستعمار الحضاري والبُعد عن الدين.

فمبدأ الشورى الذي رسمه الله لنا من خلال كتابه الكريم وطبقه النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم في ظلّ أصعب الظروف التي مرّت عليه في حياته هو الأصل الواجب اتباعُهُ والعودةُ إليه ودعوة الأمة إلى تطبيقه في جميع شؤون حياتها.

* مفهوم الشورى:

فالمقصود بالشورى عن عرض أمر من الأمور التي تهم الفرد أو المجتمع أو الأمة والتي لم يظهر فيها وجه الصواب بدليله الشرعي من الكتاب والسُنّة أو لم يبيِّن الدليل كيفية تنفيذ هذا الأمر فيُعرَض على أهل الحل والعقد وهم أولو الأمر من وجهاء المسلمين وأعيانهم وعلى رأسهم العلماء والزعماء وذوو الخبرة والاختصاص المتميزون.

فالشورى نظام رباني وضعه الله سبحانه وأمرنا به لأنه الأعلم بهذا الإنسان وبالأساليب التي يحصل من خلالها على حياة سعيدة كريمة. فالحاكم في الإسلام أيًا كانت درجة حكمه خاضعٌ لسلطان الله المتمثل بالشريعة الغَرّاء، فهو يحكم بهذه الشريعة على نفسه وعلى رعيته وإن استشارهم في أمرٍ من الأمور وتفحّص آراءهم وقلّب وجهة نظرهم فهو ليس ملزمًا أن يأخذ برأي الأكثرية فيتعطّل دوره، بل الواجب عليه أن يأخذ بما ترجَّح عنه أنه الأقرب إلى الصواب والأرجح أن يكون الحق عنده.

فالحاكم في الإسلام مقيَّد بالشريعة الإسلامية فلا رأي لمن كان رأيه مخالفًا لشرع الله ولا مصلحة لمن يرى أن المصلحة في أمر مخالف لتعاليم الإسلام، فالكل يجب أن يكون خاضعًا للكتاب الله وسنّة رسوله. والشورى ركن من أركان ممارسة الحكم أو الإمارة في الإسلام فواجبٌ على الجميع تطبيقها حكامًا كانوا أو محكومين.

والشورى كما بيّنا تختص بالنخبة من أصحاب العلم والاختصاص والتقوى والورع والالتزام وهي بذلك تقطع الطريق على الرِّعاع من الناس الذين تلعب بهم الأهواء ويميلون مع الرغبات وينظرون إلى المصالح الآنيّة والرغبات الشخصية حتى لا يوصلوا إلى مراكز القرار وحكم الناس من هو ليس أهلًا لذلك كما هو حاصل في الذين توصلهم الديمقراطية إلى مناصب رفيعة تحت ضغط التأثير الإعلامي والمادّي والوعود بتحقيق الرغبات والنزوات الشخصية.

وتطبيق الشورى بين المسلمين واحد من العبادات التي أمرهم الله بها، وهل هناك أَدَلّ على هذا من أن الأمر بها أتى بين عبادتَيْ الصلاة والزكاة؟

وقد بينها الله لنا وأمر بها النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم في أشدّ مراحل الدعوة وبعد حدث جلل كان له الأثر الكبير على المسلمين. فهذا هو النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم يستشير أصحابه في الخروج إلى لقاء العدو أو البقاء في المدينة فأخذ برأي من أشار عليه بالخروج ولكن النتيجة كانت سلبية إذ وقعت الهزيمة في (أُحُد) وقُتل عدد من كبار الصحابة وأُصيب النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم. ومع هذا كله فإن المبدأ الرباني أكبر من الحدث الضيق، فالمبدأ فيه تربية للأمة وتنشئتها على أساس متين لذا جاء الأمر بعد الحدث وبعد الخسارة وبعد الشورى: بالتأكيد على مبدأ الشورى وعلى أنه أساس يجب التمسك به والعمل بمقتضاه. وما أجمل الكلمات والتوجيهات التي جاءت عقب كلمة الشورى في الآية الكريمة من سورة آل عمران: وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله....

فبعد تقليب وجهات النظر والتوجُّه لأخذ واحد من الآراء فإذا عزمتَ على المُضيّ في اتجاه معيَّن فتوكل على الله وسِرْ ما دمتَ قاصدًا بذلك مرضاة الله ونُصرَة الإسلام والمسلمين وإياك أن تلتفت إلى النتائج لأن الأمر بيد الله يجعل النتيجة حيث يشاء وكيف يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت