فهرس الكتاب

الصفحة 9916 من 27345

سامي الماجد 14/2/1427

لم يكن ترغيب النساء بالقرار في البيوت -والمستفاد من أدلةٍ غير آية الأحزاب- أمرًا مقصودًا لذاته، فتتعبّد به المرأة ربها على أي وجه كان؛ كما يتعبّد الحاج ربّه بالمبيت في منى ومزدلفة، بل ترغيبها بالقرار أمرٌ مقصودٌ لغيره، فإن في البيت وظيفةً لا يحسنها غيرُ المرأة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فرُغّبت بالقرار وهي بعدُ فتاة صغيرة لتتهيأ لتلك الوظيفةِ بالدّربة والتعلم، حتى إذا آن أوانها بتحوّلها إلى عصمة زوجها نشطت لها بإذن ربها.

غير أنه لا ينبغي -ونحن في عصر العولمة وثورة الاتصالات- أن نفرح بمجرد قرار الفتاة في بيتها، غير مبالين على أي وجه كان قرارها، فقد يكون فيه ما في خروجها من المفاسد أو يزيد، وقد يكون قرارها لشيء استهواها واستلب عقلها، فهو يستجرّها شيئًا فشيئًا إلى ما يمسخ هُوِيّتها ويسم عقلها ويحرِّضها على أسوأ ما يكون خروجها، فبأي شيء يُفرح بهذا القرار الذي أحاط به الفراغ من كل جانب، فخلا به عقل الفتاة وقلبها، حتى تمكنت منها قنوات هابطة ومواقع مردية؟!

إن حال كثير من البيوت اليوم غير حالها بالأمس، فهي اليوم بيوت مختَرَقة، أشبه ما تكون بنافذة مطلّة على العالم، وقد يكون القارّ فيها أكثر اتصالًا بالعالم ممن هو خارجها، فالتقنيات وصلت العالم بعضه ببعض، وجعلته كقرية صغيرة تسرع فيها العدوى، ويسهل بين بيوتها التأثير. ولقد أسرعت العدوى إلى بيوت كثيرةٍ، فهي خربة تُفتقد فيها الولاية الصالحة، وقد تقرّ الفتاة في بيت كهذا فيكون في ذلك درءٌ لافتتان الشباب بها، لكن ما شأن افتتانها هي وقد قرّت في بيتها؟! هل أمنت الفتنةَ بقرارها في البيت الخرِبِ المخترقِ بتقنيات موصولة بقنوات الرذيلة ومواقعها؟!

ألم تقع فتيات تلك البيوت أسيرات للقنوات الهابطة، يتشرَّبن منها سموم الأخلاق والأفكار؟! أومدمناتٍ للإنترنت، يُفنين أوقاتهن في تصفّح مشبوه ومحادثات غير شرعيّة؟ ألا إن هذا هو القرار الذي يبعثهن على الخروج المحذور، فما للمصلحين بدّ من إخراج هؤلاء الفتيات من بيوتهن الخربة إلى حيث يكون استصلاحهن ليقررن بعد ذلك في بيوتهن القرار المرغوب...إلى المراكز والدور والمؤسسات التربويّة والاجتماعيّة الهادفة لِيُشغِلن فراغهن قبل أن تشغلها مظلات المواقع والقنوات، وليس في هذا صرف لهن عن وظائفهن في البيوت، فما زلن فتيات لم يضطلعن بأعباء المسؤوليّة؛ فليُستصلَحن قبل أن يُشغلن بحقوق الأزواج والأولاد.

إن الفتاة شخصية إنسانية ذاتُ مسؤولية وأعباء، وليست مجرد جوهرة مكنونة مستودعةٍ عند حافظ؛ فيكون قُصارى مسؤوليتِه أن يتعاهدها بإحكام الرقابة والحراسة؛ ليزُفَّها إلى حافظ آخر يمارس الولاية نفسها...ولاية الحفظ والصيانة فحسب! وهل غاية ما نؤمله في الفتيات أن يكففن عن المجتمع شرّهن، ويحافظن على عفتهنّ من غير أن يكون وراء ذلك وظيفةٌ منتظرةٌ لهن؟!

هل المرأة مجرد زينة تتملّاها النواظر حتى تُشبَّه بالجوهرة؟ إن الإلحاح في تشبيه الفتاة بالجوهرة النفيسة ليس بالذي يدفعها لمقاومة إغراءات الفتنة، إنما يدفعها لذلك هو الارتقاء في خطابها ارتقاءً يُشعرها بأنها إنسان سويّ وُهبَ عقلًا ليفكر في مآلات الأمور قبل أن يُقدمَ عليها، وأنها بهذا العقل تأهَّلت لمرتبة التكليف، فنالت به درجة التكريم والتشريف، فليكن لعقلها إسهامُه في صيانتها واشتغالها بما ينفعها.

ينبغي أن يخرج الخطاب الدعويّ والوعظيّ للمرأة من هذا الأفق الضيّق إلى الأفق الأرحب الذي تشعر فيه المرأة أن الخطاب متوجّه إليها كما هو متوجّه إلى وليها، وأن لعقلها منه خطابًا كما هو لعاطفتها، وتعي به أنها إنسان مرتهن بوظيفة لا يصلح لها غيره، وأن من مسؤوليتها أن يقوم من تلقاء نفسها رقيب وازع لا يغني عنه رقابة الوليّ وحفظه.

إن البيت ليس خزينةً لحفظ الفتيات (الجواهر) ، ولكنه مدرسةٌ يتعلمن فيها وظيفتهن المنتظَرَة، ويتربين فيها على الأخلاق الفاضلة، ويتحصنّ فيها بالوعي ومراقبة الله، فتنمو في قلوبهن رقابةٌ ذاتيةٌ تعمل عملها إذا غاب الوليّ؛ فإن من المتعذر أو من المتعسر جدًا أن يظل الوليّ لزيمًا لمحرمه في كل أحوالها، وفي كل خرجاتها.

وفي القرآن إيماءاتٌ تدلّ على أنه لا بد وأن تأتي اللحظة التي تكون فيها هذه الرقابة الذاتيّة هي المعوّل والمعتمد في ضبط التصرفات وكبح جماحها، يقول الله تعالى بعد أن قرّر قِوامة الرجل: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) ، أي حافظات لفرش أزواجهن في غيبتهم بحفظ الله لهن بصلاحهن، وكيف كُن كذلك لولا ما حيا في نفوسهن من مراقبة لله، جعلتهن حافظات للأمانة، محفوظاتٍ من الخيانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت