فشل الترابي في الدفاع عن الفشل نزار محمد عثمان*
نشرت الرأي العام السبت11مارس2006 حوارا أجراه الصحفي الموهوب ضياء الدين بلال مع د. الترابي.. لم يخف فيه الأخير نظرته السوداء للتاريخ الإسلامي، وإعجابه بنفسه؛ لدرجة أن يزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه لم يبن دولة مستقرة؛ إذ أن دولته لم تستمر بعده سوى بضع عشرات من السنين.. حسب زعمه!!.. ما أكبرها من كلمة!، وما أعظمها من جرأة!.. وهي في ظني لا تبعد كثيرا عما قاله القائم بالأعمال الأمريكي!!.. بل هي أكبر؛ لأن القائم بالأعمال الأمريكي نصراني؛ خارج دائرة الإسلام؛ فليس لكلامه وزن عند المسلمين؛ لكن د. الترابي له كلمة مسموعة من قطاع عريض من المسلمين!!..
وحتى لا يظن البعض أنني أقوّل الرجل ما لم يقل سأنقل بعض ما ورد في الحوار على لسان الترابي.. قال الترابي؛ مدافعا عن تجربته في الإنقاذ: (إنها وفرت كثيرا من العبر) ؛ فقال له المحاور: (أليس في التاريخ الإسلامي ما يكفي من العبر؟!) ؛ فرد الترابي: (عن أي تاريخ إسلامي تتحدث؟!.. ألف وأربعمائة سنة والدولة بعيدة عن الدين) !!.. اهـ.. ولك أن تعجب أيها القارئ الكريم: كيف يصدر مثل هذا الكلام ممن له معرفة بالتاريخ؟!.. نحن في العام السابع والعشرين بعد الأربعمائة والألف من الهجرة؛ وقد بقي الرسول صلى الله عليه وسلم عشرة أعوام بعد الهجرة، وخلفه أبوبكر، وبقي في الخلافة عامين، ثم عمر، وبقي فيها عشرة أعوام؛ فهذه 22 عاما؛ مما يعني أن الترابي يرى أن الدولة ابتعدت عن الدين حتى في عهد الراشد عثمان بن عفان.. ثم لِمَ هذا التعدي السافر على جهود المصلحين، والقادة المسلمين عبر التاريخ، لَمْ يكن الإسلام أسير الكتب، وصفحات التاريخ في دورة من أدوار التاريخ؛ بل تواتر تطبيقه من عهد النبوة إلى يومنا هذا، وسيستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق؛ لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة) ..
ثم تأتي الطامة الكبرى عندما يرد الترابي على الاتهام الذي ساقه المحاور؛ والقائل (إن مشروعه الفكرى، والتربوى أوجد مجموعة قيادية قابلة للاستقطاب المالي والإغراء بالوظائف.. مما يعد فشلا شخصيا للترابي) !!.. لم يتحمل الترابي أن يوصف بالفشل؛ وأراد أن يقول: (إن الذي وصفه المحارور بالفشل هو أمر طبيعي؛ وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم حدث له) !!..فقال الترابي: (أنت لا تصوب علىّ لا الشكر ولا الملام.. أنا في حركة واسعة إن فعلوا خيرا فالشكر بينهم.. وإن فعلوا شرا صحيح قد أتلقى نصيبا أكثر لدرجة القيادية!!.. ولكن حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى مجتمعا من الجاهلية للإسلام، وكانت معجزة؛ ولكن لم يُسْتَطَع أن يدار من بعده(غير بضع عشرات من السنين) حكما راشدا، وانهار بعد ذلك.. كلهم كانت قلوبهم تعلم أن الحق مع علي، ولكن جيوبهم مع معاوية؛ فهو سيقطع رأسك إن لم تواله)!!..
فهل صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم بنى مجتمعا لم يستطع أن يدار من بعده سوى بضع عشرات من السنين؟!.. ألا يعد هذا الكلام طعنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.. أكل هذا الكلام لينفي الترابي عن نفسه الفشل؟!.. ألا ما أفشَلَه في دفع الفشل عن نفسه!..
أما خوضه في الصحابة؛ وأنهم كلهم كانت جيوبهم مع معاوية!!.. وخوضه في معاوية؛ وأنه كان يقطع الرؤس!!.. وحديثه عن أن الخمر لا تصبح قضية قانون إلا إذا صاحبها عدوان!!.. فله مقام آخر بإذن الله.