الإعلام الإسلامي ودوافع المسؤولية فيه
بقلم: الأستاذ محمد خير رمضان يوسف
سادسًا: خشية اللّه في السر والعلن:
خشية الله تعالى والخوف من عقابه ووعيده إحدى الدوافع الرئيسة للجهر بالحق وعدم اتباع الباطل . وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تُذكِّر المؤمن بما يؤول إليه أمره، وما سَيُحَاسَبُ عليه في الصغيرة والكبيرة ، وأن الأفضل له أن يزن أعماله قبل أن توزن ، ويفاجأ بما لم يقدر مسؤوليته فيما فعله. وقد تنوع الأسلوب البلاغي والبياني والنفسي في هذه الآيات في المجتمع ومركز كل فرد ونشاطه الاجتماعي .
(أ) نداء الإيمان:
والمقصود من ذكر هذه الفقرة أن النداء الموجّه من الله تعالى هو لمن يؤمنون بالغيب ، ويتيقّنون أخباره الواردة في القرآن الكريم والحديث الصحيح، ويتصورون اليوم الآخر كما أخبر به. أما من لايؤمن بالغيب فلا يُوجِّه إليه مثل هذا . إذ كيف يقال لمن لايؤمن بالله واليوم الآخر إنك إذا لم تعدل ولم تتق الله في نفسك وأهلك ومجتمعك فستنال عذابًا أليمًا وستُحْرَم من النعيم الخالد؟ .. ومن هنا نستنتج أن خشية الله محصورة في المؤمنين؛ لأنهم هم الذين يؤمنون بالغيب . أما غير المؤمنين فلا يُتَصوَّر منهم الخشية ، ومن ثم فلا يُتَصَوَّر في حقهم الدافعُ الحقيقي لاعتبار المسؤولية كما هو بيت القصيد في حديثنا هذا! أي أنه لايُعْتَمد عليهم رجالًا مخلصين في أعمالهم لبناء الوطن ، والمجتمع المسلم ، وتربية أجياله .
ولنسرد بعض الآيات الكريمة التي تبين أن خشية الله الحي فيمن يؤمنون بالغيب:
?إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمانَ بِالْغَيْبِ? (يس:11) .
?اَلَّذِيْنَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُوْنَ? (الأنبياء: 49) .
?قلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّيْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ? (الأنعام: 51) .
?وَأَنْذِرْ بِه الَّذِيْنَ يَخَافُوْنَ أَنْ يُحْشَرُوْا إِلى رَبِّهِمْ? (الأنعام: 51) .
?وَالَّذِيْنَ يَصِلُوْنَ مَا أَمَرَ الله بِه أَنْ يُّوْصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُوْنَ سُوْءَ الحِسَابِ? (الرعد:21) .
(ب) الترغيب والترهيب:
الخشية من الله تعالى تُولِد في نفس المرء الرغبة في رضائه وطلب ثوابه ، وهو اعتراف منه بضعفه أمام خالقه وتسليم بأمره وتنفيذ لأوامره. كما تَبْعَث في نفسه الرهبة من اليوم الأكبر . حيث سيجازى كلٌ بما عمل وقدم . فلا ينفع إلا العمل الصالح . قال تعالى: ?وَيَدْعُوْنَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوْا لَنَا خَاشِعِيْنَ? (الأنبياء:90)
?يَبْتَغُوْنَ إِلى رَبِّهِمْ الوَسِيْلَة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُوْنَ رَحْمَتَه وَيَخَافُوْنَ عَذَابَه? (الإسراء: 57) .
?وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْم بَعْدِهِمْ ذالِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِيْ وَخَافَ وَعِيْد? (إبراهيم:14) .
(ج) التخويف بالعقوبة الدنيوية:
وهو نوع من أنواع الوعيد . وفيه تلميح إلى أن النفس الإنسانية تختلف من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، ومن بيئة إلى أخرى. ولكل فئة أو طبقة أساليب خاصة للردع . فهذا يرتدع بالتخويف من النار، وآخر بعقوبة عاجلة ، أما بمرض أو فقر أو ابتلاء بالأمل أو الجاه .
والمهم في القول هنا أن الذي يأخذ بهذه العِبَر ويستفيد من هذه الدروس ويتعظ بهذه الأخبار، هو المؤمن الحقيقي . الذي عندما يسمع مثل هذا الخبر يرى وكأن الذنب مثل جبل يريد أن يقع عليه . فيخشى الله ويرتدع .
قال عز وجل: ?وَقَالَ الَّذِيْ آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوْحٍ وَّ عَادٍ وَّ ثَمُودَ وَالَّذِيْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيْدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ? (غافر:30-31) .
?فَلْيَحْذَرِ الَّذِيْنَ يُخَالِفُوْنَ عَنْ أَمْرِه أَنْ تُصِيْبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابٌ ألِيْمٌ? (النور:63) .
?يَآ أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوْا اللهَ وَذَرُوْا مَابَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِيْنَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوْا فَأْذَنُوْا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِه ...? (البقرة: 278-279) .
?إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِيْنَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَه وَيَسْعَونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُّقْتَلُوْا أَوْ يُصَلَّبُوْا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذالِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيْمٌ? (المائدة:33) .
(د) عدم اتباع الهوى:
وهناك معارضة بين خشية الله وبين اتباع الهوى. فالذي يتبع هواه لايخشى الله حق خشيته، والذي يخشى الله لايتبع هواه . بل يتبع المنهج الذي أمر الله تعالى به:
?وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَواى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْواى? (النازعات:40) .