قصة في الحرم ( سنة الأنبياء )
د. سلمان بن فهد العودة
أذكر أني قابلت أحد الشباب في الحرم المكي أيام رمضان, وكان يعتمر ويعتجر عمامة بيضاء، وشعره يضرب إلى منكبيه، ويلبس ثوبًا قصيرًا ربما إلى نصف ساقيه, وفوق هذا الثوب قميص أسود شبيه بالرداء..
في مشهد لافت للنظر, ومثير للانتباه؛ فكل من نظر إليه صعّد النظر فيه وصوّبه..
جلس معي, وسألته عن هيئته! فردّ بأنه يتبع سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في لباسه وشعره؛ فأجبته: بأن الصحيح أن مسألة العمامة ليست سنة, وإنما هي من عادات العرب في الجاهلية, وأما لبس الرسول -صلى الله عليه وسلم- لها فهو من باب العادة, فلا نقول إنها مأمور بها، ولا منهيّ عنها، بمعنى أنها أمر متروك لعادات الناس وأعرافهم، ولا يصحّ في العمامة حديث.
هذه واحدة.
والثانية: أن الراجح في الشَّعر أنه من العادات؛ فطول شعره -صلى الله عليه وسلم- ليس سنة وإنما عادة، ومن كان له شعر فليكرمه، والأمر فيه يسير.
أما الأمر الثالث: فهو أنك معتمر, والسنة التي لا خلاف عليها هو حلق الرأس للمعتمر, وقد دعا صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ", ثم قال في الثالثة:"وَلِلْمُقَصِّرِينَ"، فلماذا تركت هذه السنة الواضحة الثابتة؟!
أما رابعًا وأخيرًا: فانتبه إلى حظوظ النفس, أن تجد مدخلًا من جهة لفت النظر والتميّز, وأن تعمل ببعض الظواهر المختلف فيها لاسترعاء اهتمام الناس، وما في ذلك من كيد الشيطان الخفيّ، ونسيت أن صاحب السنة -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لباس الشهرة، وهذا ما لم يذكره صاحب هذا الاقتداء المنقوص.
إن هذا نموذج للوعي السلبي بالاهتمام بالتفاصيل العادية غير المؤثرة, وفي المقابل خرم القواعد الكبار, تحت عباءة السنة النبوية، وهدي المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ فليست السنة امتحان الناس في تفاصيل التفاصيل, و لا تحميل الناس ما لا يطيقون من جزئيات و فرعيات وافتراضات؛ يتورّعون فيها عن خفايا ودقائق لا ترد على البال إلا بتكلّف وتعسّف, ثم ينتهكون الحرمات المتّفق عليها من أعراض الناس وحقوقهم, وواجبات التعامل الأخلاقي معهم, ورعايتهم والاهتمام بهم, وجمعهم على سبيل الوحدة والإيمان.
إن السنة النبوية العظيمة ليست حصرًا في دقائق العبادات مع الإيمان بدخول ذلك في معنى السنة، إنها أعم من ذلك وأشمل وأعظم؛ إنها معانٍ شريفة في تحقيق مقاصد النبوة والرسالة، ووسائل صالحة نافعة لأداء هذه المقاصد التي خلق الله جنس الإنسان من أجل تحقيقها: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات:56] , ولقيام الناس بمعنى الإيمان والسعي للخير, ومكارم الأخلاق وأصولها, وأركان الإسلام من الشهادتين, والصلاة, والزكاة, والصيام, والحج؛ ولهذا لمّا أخبر الله عن الأنبياء في السورة التي حملت اسم: (الأنبياء) ذكر السنن العظام للأنبياء: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) . [سورة الأنبياء:73] .
فالخيرات ركن عظيم وسنة كبيرة من سنن المرسلين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعبادة الله.
وحين ذكر الله قصص أنبياء آخرين قال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) . [سورة الأنبياء:90] , وختم قصص الأنبياء في السورة بقوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) . [سورة الأنبياء:92] ، ثم خاطب رسول هذه الأمة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ*قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) . [سورة الأنبياء:107-108] .
هذه هي مقاصد الأنبياء, ومعاني الرسل والرسالة، والقواعد الأساسية للسنة النبوية التي حكاها الله في كتابه الكريم، وأمر بها رسوله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديثه, كما في حديث جبريل الطويل, عن أصول الإسلام والإيمان والإحسان؛ من فعل الخيرات, وإقامة أركان الدين العملية, وتحقيق الإيمان, واليقين, والخشوع, و العبادات القلبية, وتهذيب السلوك والنفس, وتوحيد الأمة على عبادة الله، وعدم السعي في تشتيتها أوزاعًا وأحزابًا تقتات من بعضها، وتطبيع معنى الرحمة والتبشير:"بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا"رحمة للعالمين أجمع..
هذه هي أهم السنن، فهل ترى سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مخالفة لأصول الأخلاق, أو مجافية لمعنى الرحمة التي جعلها الله مقصدًا للرسالة؟! أم هل ترى فيها سعيًا لبث الضيق والتنفير بدل السعة والتبشير؟!