الكاتب: الشيخ د.سلمان بن فهد العودة
لعل أكثر أعضاء الإنسان شغلًا هو اللسان؛ فهو لا يكف عن الكلام حتى لو كان صاحبه مريضًا لسنين طويلة ومن هنا جاءت أهمية آداب اللسان والعناية بها، والتي من بينها التثبّت فيما يُقال أو يُنقل.
وواقع الناس اليوم يشهد تساهلًا مُفرِطًا في نقل ما يسمعون من أحكام وفتاوى وأخبار وأحداث سواء تعلّقت بعلماء أو زعماء ومشاهير أو عامة وكلما كثر جهل المتحدث، وقل ورعه كان أشدّ وأجرأ في هذا المضمار.
يقول تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) . [سورة الإسراء:36] .
ويندرج تحت الآية كل معنى يدل على قول ما لا علم للإنسان به.
فلا يَرْم الإنسان غيره بما ليس له به علم ولا يقول: رأيت ولم ير ولا سمعت ولم يسمع ولا يشهد الزور. وكل هذا مرويّ عن السلف.
ومنهج القرآن في التثبّت أعظم منهج وأحكم طريق؛ قال تعالى: ( قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) . [سورة البقرة:118] .
وخصّ الله بذلك القوم الذين يوقنون؛ لأنهم أهل التثبّت في الأمور، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحّة، فهؤلاء المنتفعون بالبيان الذين لا يجرون وراء الشكوك، ولا يأخذون بالتقولات وإنما يبحثون عن اليقين.
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) . [الحجرات:6] .
قرأ الجمهور (فتبيّنوا) من التبيين وقرأ حمزة والكسائي وخلف فتثبّتوا من التثبّت.
والتبيين: تطلّب البيان وهو ظهور الأمر. والتثبّت التحري وتطلّب الثبات، وهو الصدق.
ومآل القراءتين واحد وإن اختلف معناهما.
والآية أصل في الشهادة والرواية والنقل ورعاية حال الناقل وعدم الاسترسال وراء الشائعات والظنون والأوهام.
وهي أصل في وجوب التثبّت وألاّ يتتبّع السامع القيل والقال ولا ينصاع إلى الوقوع في المزالق بسبب التسرّع أو تصديق ما لا حقيقة له.
فخبر الفاسق يكون داعياّ إلى التتبّع والتثبّت، ولا يصلح لأن يكون مستندًا للحكم بحال من الأحوال وإنما كان الفاسق معرّضًا خبره للريبة والاختلاق؛ لأن الفاسق ضعيف الوازع الديني في نفسه وضعف الوازع يجرّئه على الاستخفاف بالمحظور وبما يخبر به مما يترتب عليه إضرار بالغير أو بالصالح العام.
وعلّة التثبّت هي: (أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) فربما سمع السامع كلمة ونشرها في المجالس والمحافل والمنتديات وصفحات الإنترنت، ثم تبيّن له بعدُ أن صاحبها بريء؛ فيندم على وقوعه في عرضه وما لا يمكن تداركه ولذلك كانت الكلمة كالرصاصة إذا انطلقت لم يمكن إرجاعها.
قال الشاعر:
يَموتُ الفَتى مِن عَثرَةٍ بِلسانِهِ***وَلَيسَ يَموتُ المَرءُ مِن عَثرَةِ الرِّجلِ
فَعثرَتُهُ من فيهِ تَرمي بِرَأسِهِ***وَعَثرَتُهُ بِالرِّجلِ تَبَرا عَلى مَهلِ
والآية نزلت في الوليد بن عقبة لما ذهب لأخذ الزكاة من الحارث بن ضرار الخزاعي، فخشيهم لشيء كان بينه وبينهم في الجاهلية، فرجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبره بامتناعهم عن دفع الزكاة. والقصة ذكرها أهل السير والتفسير ورواها الطبراني، والإمام أحمد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وغيرهم- بسند لا بأس به وتوارد أهل التفسير كافة على حكاية هذه القصة على أنها سبب النزول.
وقد حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من القول بغير علم والكذب عليه في حديث بلغ مبلغ التواتر. ففي الصحيحين عَنِ الْمُغِيرَةِ - رضي الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ( إِنَّ كَذِبًا عَلَيّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) .
وعند البخاري في قصة خالد بن الوليد مع بَنِي جَذِيمَةَ، لما دَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا، صَبَأْنَا. فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ ...، قَالَ صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) . مَرَّتَيْنِ.
قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبّت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا فاللفظ المحتمل يجب الأناة فيه حتى تفهم حقيقته وقد تختلف لغات الناس ومصطلحاتهم وأعرافهم.
وفي الأثر عند الترمذي وغيره بسند لا بأس به ( الأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ) .