ولن أكون متشائمًا إن قلت الحقيقة التي قد تنبه الإنسان إلى السلبيات الشنيعة التي تطرأ على مجتمعاتنا لتكون بعد فترة جزءًا منها - مع الأسف - فالفساد الأخلاقي في بلاد المسلمين ينشر أجنحته بدفع وعون من أولي الأمر الذين خرجوا عن دينهم أو ابتعدوا عنه ، وهؤلاء ظهروا بشكل واضح لا لبس فيه . وقد أخبرنا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
"دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها". .. قالوا صفهم لنا يا رسول الله . قال:"هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا"... هؤلاء الذين ما فتئوا يؤصلون الفساد في عادات المجتمع ومفاهيمه عن طريق القنوات الفضائية التي لا همّ لها سوى تغيير المفاهيم والعادات الإسلامية بمفاهيم الخنا والفجور والدعوة إلى نبذ كل ما هو أصيل وشريف ، ، فالزنا حاجة طبيعية ، والخمر مشروبات روحية منعشة ، والعُري حرية في التصرف، وأكثر من ذلك أن كل الدعايات تعتمد على الجنس ، حتى غدت الأمور مألوفة بين الناس ، وما عادوا يخجلون منها أو يستنكرونها ، ولن تجد في أي بلد عربي أو مسلم من الإسلام سوى صور ميتة لا تنبئ عن دين ولا أخلاق ، وقد قنّنَت القوانين لإباحة ما يقتل الحياء والخفر والشرف ، أو يئد القوانين الشرعية من بنوك ربوية ومعاملات مخالفة لصريح الدين وإحلال للقوانين الأوربية مكان الشريعة الإسلامية في أطهر بلاد الله وأكرمها عليه سبحانه .
ناهيك عن تأصيل الحرية الشخصية على حساب الحريات العامة . وبهذا تُزرع الأنانية محل الأثرة ، والشخصانية محل الغيْريّة ، والفردية مكان الجماعية . .. أي مجتمع يكون هذا المجتمع ، وأي راحة يمكن أن يتمتع بها الإنسان في مثل هذه الغابات ؟! .
في بلاد الغرب سوق أوربية مشتركة ، فما عادت الحدود موجودة ، وصار الأوربي يتنقل من بلد إلى آخر ، ومن مدينة إلى غيرها كأنه يتحرك في بلده وموطنه ، وفي البلاد العربية والإسلامية تضييق على الإنسان ، فلا يستطيع زيارة بلد"مسلم"آخر إلا بشق الأنفس . وليست له في ذلك البلد من حقوق سوى الأقل الأقل ولو ولد أبناؤه فيها أو عاش شطر شبابه في خدمتها ، بل إنه يعتبر"أجنبيًا"نعم ..أجنبيًا .. يرى هذه الكلمة تجابهه أول ما يصل إلى حدودها البرية أو الجوية ، وقد يراها أخف اسميا في بلد آخر حيث يسمى"وافدًا"لكن النتيجة واحدة تشعرك بالغربة ولو كانت لغتك هي لغتهم، ودينك دينهم ، وسحنتك سحنتهم !!. ومما ينتج عن ذلك أن راتبك يمكن أن يكون ثلث راتب أحدهم وهو أقل منك إنتاجًا ، وأضعف منك فهمًا وأقل منك دراية !. ولكنها الإقليمية والبعد عن الحضارة - وهذا لا تجده على الأغلب في بلاد"الكفر والزندقة"- ومن ثم الشعور كذبًا وزورًا بالفوقية المصطنعة التي تقصم ظهر الأخوّة ، وتعصف بالحقوق ، وتؤصل التباعد والتنافر بين المسلمين ... فالجهل رائدهم ، والأنانية حاكمتهم .
فضلًا عن أنظمة الحكم المستبدة التي سيطرت ملكيّة كانت أم جمهورية أم جمهوكية . لا فرق ، فالثروة بيد المتنفذين يستأثرون بها كاملة في بنوك أوربة ، وقد يوزع بعضهم الفتات - إن كان كريمًا - على شعبه المقهور ، أو يفرض بعضهم الآخر ضرائب باهظة ، فلا يكفيه ما سرقه واستأثر به . ولا بأس أن تزهق أرواح عشرات الآلاف ليبقى هؤلاء جاثمين على صدور الأمة المسكينة ! .
قد يقول بعضهم: هذه ليست أزمة أخلاق - كما ذكرت في عنوان المقال - إنما هي انعدام الأخلاق وغيابها . .. أقول: لعلي أظل بعد هذا كله متفائلًا أن يؤوب المسلمون إلى أصالتهم ، وأن يتجاوزوا محنتهم ، وأن ينشطوا من سباتهم ، ليأخذوا مكانهم الذي ينتظرهم في قيادة العالم كما فعل أسلافهم حين ترجم الخليفة الفاروق الحقيقة الصادقة:"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله"