بقلم خباب بن مروان الحمد
"...إنَّ العجب ليأخذني كلَّ مأخذ ، حين أرى هؤلاء المتقحِّمين باب العلم حين تُعرض أي مسألة من متعلقات الشريعة ، فيتحدثون عنها ، ولم يكلِّفوا أنفسهم البحث عن حكمها ودلائل حلِّها أو حرمتها، ..."
الحمد لله الذي جعل في كلِّ زمان فترة من الرسل ، بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب الله الموتى ، ويبصِّرون بنور الله أهل العمى ؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس ، وأقبح أثر الناس عليهم . ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين.
أمَّا بعد:
فإنَّ لأهل العلم منزلة عالية في دين الإسلام ، ودرجة رفيعة سامقة ، كيف لا ... وهم الذين اجتباهم الله لحفظ دينه ، ونشر كلمته ، وقرنهم بشهادته فقال: (شهد الله أنَّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط) ونفى المساواة بين من يعلم ومن لا يعلم فقال: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وأوضح أنَّ ألصق الصفات بأهل العلم ؛ خشيتهم لله تعالى ، فقال: (إنَّما يخشى الله من عباده العلماء) ومن خشية العلماء لربهم أنَّهم لا يتكلمون إلا بالعلم والهدى ، ويخشون ربهم من فوقهم أن يتقوَّلوا عليه بلا علم ، ويوقِّعوا عنه بجهل ، لأنَّهم وقَّافون عند حدود الله ونواهيه ، إذ قال تعالى: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولًا) الإسراء (6) .
إلاَّ أنَّه ـ وللأسف ـ قد تقحَّم بوابة العلم ، وولج فيها مولجًا لا يستحقه ، أناس ليس لهم في العلم الشرعي كبير إنعام حيث امتطوا صهوة العلم والتعليم ، فتراموا على شاشات الفضائيات ، وأوقعوا بأرجلهم على مهاد المنابر ، وتكالبوا في الكتابة بالصحف والجرائد والمجلات ، إمعانًا منهم لتعليم الناس ما يهمُّهم ، في شؤون الدين والدنيا ، وقسم آخر وهم كثيرون إذا اجتمعوا في المجالس والنوادي ، وطرحت مسألة فقهية أو شرعية ، وجدت المختص وغير المختص يخوض فيها ، ويتمنطق متحدثًا عنها ، مدَّعيًا أنَّ لديه علمها وحكمها ، على حدِّ ما ذكره الشيخ: محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ: (قرأت كتابًا لأحد المهندسين يفسِّر حقيقة الصلاة تفسيرًا لم يعرفه المسلمون طوال أربعة عشر قرنًا ، فعجبت لهذا الحمق في خرق الإجماع ، وقلت: أما يجد هذا المخترع مجالًا لذكائه في ميدان الهندسة ليتقدَّم فيه بدل أن يشغل نفسه ويشغلنا معه بهذه التوافه) [ليس من الإسلام ـللشيخ: محمد الغزالي/56] .
فترى كثيرًا ممَّن على شاكلة هذا الشخص زاعمين أنَّهم مثقفون ومطَّلعون يطلقون لأنفسهم باب الاجتهاد في التحدث عنها بآرائهم ، والغريب أنَّ ذلك يحصل في كثير من المجالس وخصوصًا مجالس كثير من العوام أو غير المتخصصين في العلم الشرعي ممَّن تخصصوا في العلوم التجريبيَّة أو الطبيعيَّة أو غيرها ، وكانوا بعيدين بُعد المشرقين عن البحث والاطِّلاع في أصول الشريعة ومحكماتها، فتجد كثيرًا منهم يلتُّ ويعجن في المسألة التي قد تكون مشكلة ، ولو عرضت على عمر ـ رضي الله عنه ـ لجمع لها أهل بدر ليتباحثوا فيها ، ويعطوا الحكم الشرعي المناسب لها المبني على الكتاب والسنة! وإن طرحت على أهل العلم أعطوها حقَّها من البحث والتفكير ، ورحم الله زمنًا جاء فيه أنَّ الإمام مالك قال: (إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة ، فما اتَّفق لي فيها رأي إلى الآن) وقال: (ربما وردت علي المسألة فأفكر فيها ليالي) [ترتيب المدارك1/178] .
وإنَّ العجب ليأخذني كلَّ مأخذ ، حين أرى هؤلاء المتقحِّمين باب العلم حين تُعرض أي مسألة من متعلقات الشريعة ، فيتحدثون عنها ، ولم يكلِّفوا أنفسهم البحث عن حكمها ودلائل حلِّها أو حرمتها، بل تجد المبادرة والمسارعة للإفتاء وإبداء الرأي بحجَّة أنَّها وجهة نظرهم ، ولا يعني أن تكون وجهة النظر صحيحة ، وكأنَّ علم الشريعة علم يُتناول على مائدة الحوار والكل يبدي رأيه متوقعًا ومخمِّنًا أنَّ ذلك هو الحكم الشرعي! مع أنَّ هؤلاء العوام أو من يتسمَّون بالمثقفين أمثال (صاحبنا) لو أنَّ رجلًا غير متخصص في الفن الذي هو من اختصاصهم وتكلم فيه زاعمًا أنَّ رأيه صواب ، وأنَّ ما يقوله لا يلزم أن يكون صحيحًا ؛ لنظروا إليه نظر شزر ، وقرَّعوه بشديد الخطاب ، لأنَّه تكلم فيما لا يحسنه ،ومن يتكلم بما لا يحسن يأتي بالعجائب! وَصَدَقُوا ...ولكن لِمَ لا تمرَّر هذه القاعدة والمنهجية عليهم كذلك ؟ أمَّ أنَّ علم الشريعة متاح لكل أحد أن يكون مجتهدًا فيه ، وغيره من العلوم لا يتحدَّث فيه إلاَّ من تخصص به وثنى ركبته في نيله عند أهله؟!.