هو الإمام العلم، شهيد الحق والدين، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني نزيل دمشق.
هو واحد ممن صنعوا تاريخ أمتنا قديمًا وحديثًا ، وهو ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة ) رواه أحمدوحسنه الألباني في صحيح الجامع 7569
هو شهيد السيف والسنان والكلمة واللسان، جاهد في سبيل الله حق الجهاد حتى أتاه الموت وهو على ذلك صابر محتسب .
ومن أصدق ما قيل فيه، قول تلميذه البزار: لم يُسمع أنه رغب في زوجة حسناء ولا سُرِّيةٍ حوراء ولا دار قوراء ولا جوار ولا بساتين ولا عقار ، ولا شد على درهم ولا دينار، ولا رغب في دواب، ولا ثياب فاخرة، ولا زاحم في طلب الرياسات، وما رأيناه يذكر شيئًا من ملاذ الدنيا ونعيمها، ولا كان يخوض في شيء من حديثها، بل جُلُّ همة طلب الآخرة.
وصدق وصف الرجل حيث عاش ابن تيمية عَزَبًا، لا زوجة له ولا ولد، ودخل السجن في دِمَشْق والقاهرة أكثر من مرة، بل مات وهو في قلعة دمشق محبوسًا بها، وما ذلك إلا لإصراره على ما يرى من الحق، لا يخاف في ذلك لومة لائم، وكيف يخاف ؟! وهو القائل:"ما يصنع أعدائى بي ؟! أنا جنتى في قلبى، وبستاني في صدرى، أين رحت فهي معى، لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدى سياحة"
هذه هي همة المؤمن الصادق الذي لا يرى إلا رضا الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك، فقل لي كيف تكون عبادة هذا الولى الزاهد ؟ ! وكيف تمر عليه ساعات الليل المظلم في السجن الموحش في الغربة النائية ؟!
لعمرى إنها لأسعد اللحظات، وآنس الأوقات، ويعبر عن ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى حينما قال: سمعت ابن تيمية قدس الله روحه يقول في الحبس:"إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة !"
نعم والله يا وارث علم الأولين، إنها جنة العبادة والمعرفة، إنها جنة القرب والرضوان، إنها جنة الحب والإيمان، ومن ذاق عرف.
قال ابن عبد الهادي في ترجمته: وكان في ليله منفردًا عن الناس كلهم، خاليًا بربه، ضارعًا موظبًا على تلاوة القرآن العظيم، مكررًا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية ، وكان إذا دخل في الصلاة ترتعد فرائصه وأعضاؤه حتى يميل يمنة ويسرةً .
يقول عنه الذهبي: لم أر مثله في ابتهاله واستغاثته وكثرة توجهه، ومن مناجاة ابن تيمية رحمه الله التي تعبر عن الفقر التام والخضوع لله رب العالمين قوله:
أنا الفقير إلى رب السماوات أنا المُسْيكينُ في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتى والخير إن جاءنا من عنده ياتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ولا عن النفس في دفع المضراتِ
وليس لي دونه مولىً يدبرني ولا شفيع إلى رب البريات
إلا بإذن من الرحمن خالقنا رب السماء كما قد جا في الآياتِ
ولست أملك شيئًا دونه أبدًا ولا شريك أنا في بعض ذراتي
قال ابن تيمية رحمه الله:
والفقر لى وصف ذات لازم أبدًا كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي
وإذا افتقر العبد إلى الله أغناه الله عن كل شيء إنَّ حبس الأمام رحمه الله لم يزده إلا قربًا من الله تعالى وحبًا في سيده ومولاه .
وصدق رحمه الله حينما قال: إن المحبوس من حبس عن ربه، وإن الأسير من أسره هواه . أما المؤمن إخوتاه فله مع الخلوة أحوال وأحوال، ترفعه فوق الخلائق، وتطهره من البوائق وتهديه إلى الحقائق ... ظل ابن تيميه رحمه الله علمًا بين العلماء العاملين، وغُصةً في حلق الظالمين المعتدين، ولقد حارب في كل الجبهات، وظل اسمه يتردد في الجنبات إلى يومنا هذا فلهو أحق بما قيل فيه:
مضى الزاهد الندب ابن تيمية الذي أقرَّ له بالعلم والفضل ضده
يحن إليه في النهار صيامه ويشتاقه في ظلمة الليل ورده
رحم الله شيخ الإسلام، رهين القلعتين، الإمام الشهيد ابن تيمية