الكاتب: الأستاذ محمد أحمد الوزير
الحمد لله رب العالمين ، وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:
فإن من الأحاديث التي احتج بها شيخنا القاضي العلامة / محمد بن إسماعيل العمراني في فتاوية ، حديث (("ثلاثة لا ترد دعوتهم ... الحديث ) )وعلق عليه في الحاشية أن الألباني ضعفه ، على أن الحديث في فضائل الأعمال ، فأردت التبين في ذلك فقمت ببحثه وترجح عندي كما ترى أن الحديث حسن لغيره كما قاله الحافظ / ابن حجر والسيوطي وغيرهم وإليك البحث فأقول:"
متن الحديث:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين".
من أخرج الحديث:
وأخرج أحمد (479) الترمذي (3592) ، وابن ماجه (1752) ، وابن خزيمة رقم ( 1901) ابن حبّان في صحيحه ( 2407ـ 2408) البيهقي في"كتاب الأسماء والصفات ."
وقال الحافظ: هذا حديث حسن وحسنه الحافظ / ابن حجر السيوطي ، في الجامع الصغير .
الكل من طريق سعد الطائي قال أبو النضر سعد أبو مجاهد حدثنا أبو المدلة مولى أم المؤمنين سمع أبا هريرة به .... الحديث .
وضعفه الشيخ المحدث / محمد ناصر الدين الألباني ، في السلسلة الضعيفة ( 3/ 534 رقم 1358) ولم أجد من وافقه على القول بالتضعيف لذا الحديث من الأئمة المتقدمين ولم يذكر في السلسلة عن أحد أنه ضعفه .
علة الضعف في الحديث:
وعله الضعف في هذا الإسناد هو أبو مدلة عن أبي هريرة مرفوعا: وأبو مدلة بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام يقال اسمه عبد الله مقبول من الثالثة.
قال ابن المديني: لا يعرف اسمه مجهول لم يرو عنه غير أبي مجاهد .
المتابعات للحديث:
وأخرجه الترمذي من طريق أخرى قال:
2579 ـ حَدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حدثنا مُحمّدُ بنُ فَضِيلٍ عَنْ حَمْزَةَ الزّيّاتِ عَنْ زِيَادٍ الطائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وفيه الحديث المذكور .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ الْقَوِيّ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتّصِلٍ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عن أَبي مُدَلَهٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلة الحديث المتابع:
هي أن زيادا الطائي الراوي عن أبي هريرة مجهول و لم يسمع عن أبي هريرة فالحديث منقطع كما أشار إلى ذلك الإمام الترمذي عقب أخراجه له .
الحكم على الحديث:
والحديث قد اختلف الحفاظ في الحكم عليه على التالي:
1 ـ فمنهم من صححه وبه قال: ابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما .
2 ـ ومنهم من حسنه وإليه ذهب الترمذي: قال الإمام الترمذي عقبه: هذا حديث حسن ، ورجحه القول بحسنه الحافظ ابن حجر والإمام السيوطي ، وذلك للشاهد المذكور ،
3 ـ ومنهم من ضعفه وإليه ذهب الألباني في الجامع الصغير وفي السلسلة الضعيفة .
المناقشة والترجيح:
الحديث الظاهر أنه حسن لغيره لأجل المتابعة المذكورة ، وكنت قد استغربت أن الشيخ الألباني ضعفه في الجامع الصغير ، فرجعت إلى السلسلة الضعيفة ( 3/ 534 رقم 1358) كي أرى السبب الذي من أجله ضعفه ، وما سيكون جوابه على المتابعة التي أخرجها الترمذي ، فتبين لي أنه لم يورده أو يشر إليه .
أقول: والحديث الضعف فيه محتمل ، والمتابعة الضعف فيها كذلك محتمل ، ومثل هذا الأصل أنه يحسن إن لم يصحح ، فإن قيل أن ابن حبان وابن خزيمة قد صححوه فالجواب أنهم متساهلون في التصحيح ، وذلك لما عرف عن ابن حبان وابن خزيمة من توثيق المجاهيل فيقال: يعذروا في ذلك لأن ابن حبان وابن خزيمة وثقا أبا مدلة ، فالحديث عندهما صحيح لذلك .
فالقول بصحة الحديث قد يقال أن فيه تساهل ولكن القول بالحسن لغيره محتمل.
فإن قيل إن في المتابعة التي جاءت عند الترمذي عن زياد الطائي عن أبي هريرة شيء وذلك لأن زيادا لم يسمع من أبي هريرة فلربما أنه سمعه عن أبي مدلة عن أبي هريرة ، وعند ذلك يتحد المخرج ، ولا يرتفع الضعف لجهالة أبي مدلة ، فيتجه القول بضعف الحديث .
أقول: ولكن الناظر عند التأمل في كلام أئمة الحديث يتوجه إليه القول باختلاف المخرج وذلك لوجهين:
الوجه الأول: هو أن المتأمل في كلام الإمام على بن عبد الله بن المديني شيخ البخاري الذي قيل فيه أنه حية الوادي في علم العلل ، وذلك في قوله: (( ولم يرو عنه ـ( عن أبي مدلة ) ـ غير أبي مجاهد ))يظهر منه أن زيادا لم يسمعه من أبي مدلة، فإن كلامه يقوي عدم اتحاد المخرج ، فيصلح عند ذلك القول بأن المتابعة صالحة لترتقى بالحديث إلى الحسن لغيره .
الوجه الثاني: أن الإمام الترمذي قال عقب المتابعة: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عن أَبي مُدَلَهٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا يقوي القول باختلاف الطريق فتأمل .