فهرس الكتاب

الصفحة 7917 من 27345

بقلم: الأستاذ أشرف شعبان أبو أحمد / جمهورية مصر العربية (*)

رغم أننا كثيرًا ما كنا نفتخر بامتلاكنا لحضارة من القيم الإنسانية والروحية النبيلة؛ حيث يطلق علينا أحيانًا مصطلح شعوب روحية . وذلك لكوننا نتمسك بالقيم الدينية ونعلي من شأن الأخلاق. في حين أن الغرب قد ترك الدين والأخلاق، وحقق ظفرات واسعة على مستوى الحضارة المادية والتكنولوجية . وقد كنا نواسي أنفسنا وما نحن فيه من تخلف مادي وعلمي وتكنولوجي، بإعلاء شأن منظومتنا من القيم والأخلاق؛ ولكن يبدو أنه حتى هذه المنظومة التي كنا نتباهى بها، قد أصابها العطب والخلل وبدأت تتصدع أركانها، وأحد تلك الأركان هو قيم كنا نعتز بها مثل الشهامة والنخوة والمروءة والألفة والمحبة والتعاون على البر والنجدة ونصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالم . وترعرعت فينا بدلًا منها قيم غريبة عنا أثمرت في شخصنا ما يسمى بالسلبية ، ومع ذلك كله لا نستحي من أنفسنا حين نتغنى بمآثرنا وتمسكنا بقيمنا وادعائنا بأننا الأفضل على الدوام .

وتعرف الشخصية السلبية علميًّا بأنها الشخصية"الأنامالية"انطلاقًا من القول الشائع"وأنا مالي"وصاحب هذه الشخصية يعيش بعيدًا عن شؤون مجتمعه، غاضًّا بصره عما يحيط به، معتزلًا الأحداث كبرت أم صغرت ، غير ناظر إليها إلا بمقدار ما يصيبه فيها من خير أو شر، ليس مهتمًا إلا بما يصل إليه من جدوى، ولو كان الناس في محن وفتن . متصوّرًا أن هذا الأسلوب كفيل بحمايته، ومنع أي مخاطر أو أضرار عنه، ودرء أي مشاكل يمكن أن تلحق به في حالة المشاركة أو الإقدام على مساعدة الآخرين . فمثلًا قد يشاهد لصًّا يسرق ولا يحاول منعه أو تنبيه ضحيته ، وقد يجد من يتعدى على الحرمات ولا يحرك ذلك منه ساكنًا، وإذا مر بمنكر أو فاحشة أصم أذنيه وأغمض عينيه. وقد يجد مصابًا على الطريق صدمه سائق أرعن بسيارته، وقد أوشك على الموت، فيكون رد فعله أن يسير مبتعدًا، ولسان حاله يقول"وأنا مالي"أو"ابعد عن الشر وغني له". وأصبح من المعتاد أن يشاهد شيخًا كبيرًا أو سيدة مسنة أو مريضًا يقف في وسيلة انتقال كالأتوبيس أو المترو في الوقت الذي يجلس فيه وهو معافى ولا يرأف بحال أي من هؤلاء، ويجلسهم مكانه رحمة وإكبارًا. وقد يطلب منه مظلوم أن يشهد له بما رآه فيعتذر عن ذلك متعللًا بالخوف من الدخول في مشاكل مع الخصوم. ومن مواقفه السلبية أيضًا انصرافه ومن هو على شاكلته كل فيما يخصه عن الإدلاء بصوتهم في الانتخابات سواء كانت تشريعية أو رئاسية أو انتخابات النقابات واتحاد الطلاب أو غيرها من جميع أنواع وأشكال الانتخابات. والهروب من الدفاع عن الأهل والوطن والعقيدة، فطالما نأى خاصة أهل الفرد منهم ومسكنه، عن منابع الخطر فلا عليه أن يموت غيره من الناس، وهو أسعد الناس ما دام قد سلم من هذه المهلكات أو الشرور، بل قد يبارك لك ضر ما دام بعيدًا عنه. بل تعدت سلبيتنا هذه الأحداث الفردية، ووصلت إلى مستوى الشعوب، فقد أصبحنا مطية لغيرنا من الأمم، يفعل بنا ما لا يتحمله بشر من إذلال وقهر وقتل وتشريد، ولسنا بفاعلين بأحد من شيء، ويكون رد فعلنا دائمًا هو الصمت والصمت التام، وهذا هو قمة السلبية وإضافة جديدة لها .

والسلبية سلوك مذموم نهى عنه الإسلام لأنه يتعارض مع كل قيم الإسلام وتعاليمه التي تحث على التعاون على البر والتقوى والتسابق إلى الأعمال الصالحة وفعل الخيرات، وهي ليست من الإسلام في شيء وأن السلبيين المتقاعسين يخالفون قواعد الإسلام وثوابته ولا يقبل منهم ادعاؤهم الكاذب إلى الإسلام مهما أصروا على ذلك وأقسموا. والفرد السلبي آثم ويرتكب إثمًا مع كل موقف سلبي يتخذه، ومع كل تقصير من ناحيته في القيام بما أمره به الإسلام في حق أخيه المسلم وحق مجتمعه . وهو في نظر الإسلام يُعتَبَر مكذبًا ومسؤولًا مسؤولية عظمى أمام الله تعالى ، ويعرض نفسه للويل والعذاب ؛ لأن الله عز وجل أنذر من يمتنع عن مساعدة الآخرين بالويل، وهناك نص قرآني صريح يؤكد ذلك ، قال تعالى (أَرَأَيْتَ الَّذِيْ يُكَذِّبُ بِالدِّيْنِ فَذالِكَ الَّذِيْ يَدُعُّ اليَتِيْمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلى طَعَامِ الْمِسْكِيْنِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّيْنَ الَّذِيْنَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُوْنَ الَّذِيْنَ هُمْ يُرَاءُوْنَ وَيَمْنَعُوْنَ المَاعُوْنَ) سورةُ الماعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت