فهرس الكتاب

الصفحة 16741 من 27345

سورة القلم (2)

الجمعة 22 من شعبان 1395هـ 29 من آب 1975 الحلقة السابعة

العلامة محمود مشّوح

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون.

فاليوم نتابع الحديث عن سورة القلم ثانية.. السورة التي أُنزلتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مفتتح الدعوة، ولقد أتينا بالحديث على صدرها في الجمعة الماضية. ونحن آخذون الآن بحول الله بالحديث عما استيسر من بقية السورة.

بعد الآيات التي تلوناها في الجمعة الماضية وبعد الآية التي وقفنا عندها يخاطب الله جل وعلا رسوله الأمين صلوات الله وسلامه عليه فيقول:

(فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون) .

ومعلوم لديكم أن هذا الكلام جاء بعد حديث مضى يستهدف نفي تهمة الجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، تلك التهمة التي حاول أعداء الله أن يلصقوها بأعقل العقلاء، وأحكم الحكماء، والتي خيل لنبي الله صلى الله عليه وآله، زمنًا ما، أنه قد يكون أصابه شيء من ذلك. ردَّ الله تقوَّلَ المتقوِّلين، وثبَّتَ قلبَ نبيه صلى الله عليه وآله. وامتدحه أعظم مدح بأن شهد له بأنه على خلق عظيم، ووعد بأن يريه وأن يريَ الكافرين من قومه عاقبة هذه المفتريات، وسيظهر عما قريب وعيانًا للمتقولين؛ أيُّ الفريقين كان يعمل بعقل، وأيُّ الفريقين كان مستسلمًا لما يشبه الجنون ثم جاء الحديث بعد.

(فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون) .

ويجب أن ألفت أنظاركم إلى الأحاديث التي تحدثنا فيها عن سورة العلق وأن نستحضر في الأذهان قول الله جل وعلا خطابًا لنبيه صلى الله عليه وسلم:

(كلا لا تطعه واسجد واقترب) .

ففي سورة القلم مزيدُ تأكيد لضرورة عدم إطاعة المكذبين بآيات الله ثم فيها شرحٌ لأوصاف هؤلاء الناس ومن لفَّ لفَّهم؛ ساقها الله جل وعلا على مسمع النبي صلى الله عليه وسلم لكي يحذرهم.

ونحن هنا في هذه السورة إذ نسمع الله تبارك اسمه يزيد القضية تأكيدًا في السورة الأولى يطلب إلى نبيه صلى الله عليه وسلم عدم إطاعة هؤلاء الناس، وفي السورة الثانية ودون إمهال ودون وقت طويل يقول له: (فلا تطع المكذبين) إذًا فمن البديهي أن في الأمر شيئًا علينا أن ندركه لا بد أن هذا النهي يحمل خصيصة من خصائص هذه الدعوة وخليقة من الخلائق التي يجب أن تتبناها هذه الأمة، فما هو هذا الشيء؟

لا يكفي يا إخوة أن نمر على الآية ندرج في قراءتها درجًا، هذا القرآن شفاءٌ لما في الصدور وإضاءة للمسالك وصور ومعالم على الطريق لا يفيد منه إلا الذين يفكرون فيه طويلًا، والكلام الذي بين أيديكم تقرءونه كلام الله فيه الإشارة إلى كل ما بالناس حاجة إليه.

لماذا ينهى الله جل وعلا عن طاعة هؤلاء الناس؟

ما ضرَّ لو أن الناس إذ تختلف مشاربهم، وتتفرق بهم السبل، وتتباين آراؤهم، وتفترق مذاهبهم، ما ضرَّ لو اجتمعوا على أرض مشتركة واتفقوا على سبيل وسط، أتنازل أنا شيئًا ما وتتنازل أنت شيئًا ما ونصل إلى اتفاق وتفاهم، ثم نسير بعد ذلك على ضوء هذا الذي اتفقنا عليه.

كلام في الظاهر جميل، وأي شيء أحسن من أن يصل الناس إلى توحيد كلمتهم؛ لكن زيدوا الأمر تفكيرًا تجدوا أولًا أن هذه الدعوة ليست لأمة بعينها من الناس وإنما هي للناس عامة وليست للحظة زمنية في التاريخ وإنما هي لأبد الأبد، وأن الاتفاق والتفاهم إذا بني على الخطأ ثم سار بإرادة الناس سنة وسنتين أو عشرًا. فإن جراثيم الخطأ سوف تفجر المجتمعات الإنسانية فإذا هي تفتش عن وحدة الرأي فلا تجد إليها سبيلًا، لا شك أن وحدة الآراء مطلوبة، ولكن في ظل الحقيقة، أما تحت راية الباطل فالمسألة لا تعدو أن تكون تدعيمًا للباطل، ومدًا في أجل وعمر هذا الباطل، والإسلام ما جاء ليخدم الباطل وإنما جاء ليجتث الباطل من جذوره.

(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون) .

هذه القضية لا بد أن نزيدها بيانًا آخر، هؤلاء الذين واجهوا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالصد وبالتكذيب جاءهم بالنور فرفضوا أن يأخذوا بأسباب هذا النور عمّا كانوا يدافعون؟ وبأي شيء كانوا يتمسكون؟ ما الذي بين أيديهم؟ كتاب من السماء؟ لا إذًا كانت هناك مواضعات وأعراف وعادات واتفاقات أعطاها حكم الاستمرار مناعة وقوة ورضىً وتسليمًا بين أربابها من الناس، من أين جاءت؟! لم تأت بوحي من السماء إنما جاءت بالتفكير البشري المجرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت