فهرس الكتاب

الصفحة 918 من 27345

الحرب العالمية الثانية

الحلقة (21) الجمعة 26 ربيع الأول 1396هـ- 26 آذار 1976

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

بسم الله الرحمن الرحيم

تحدثنا عنه في الجمعة الماضية هو بعض من الدروس المستفادة من تاريخ النبوات السابقة على نبوة سيدنا محمد صلوات الله عليه وآله وسلم وكما ذكرنا فإن الله تبارك وتعالى قص علينا في القرآن الكريم من نبأ المرسلين ومن نبأ أقوامهم؛ ما يثبت الأفئدة ويفيد العبرة كيلا نرتكب مثل الذي ارتكبوا وكيلا نسقط في مثل ما سقطوا فيه، وليس عندي في الحق ما أضيفه في هذا المجال إلى الذي قلته في الجمعة الماضية، وإن كان مجال القول في هذه الناحية متراحبًا شديد التشعب عظيم الارتباط ثم هو يتمتع بضرورة حاسمة في أيامنا ، ولكن المنابر لها أسلوبها وحق مثل هذه الموضوعات أن تكتب لا أن يتحدث بها على المنابر؛ إلا أن بعضًا من الإخوة حفظهم الله تعالى نبهوني إلى التباس وقع فيما يختص بنحلة آريوس الذي كان يدعو إلى الوحدانية في القرن الثالث الميلادي، والذي حاربته المسيحية وطاردته وتغلبت عليه في مجمع نيقيا عام 325 للميلاد ومعهم الحق في هذا الالتباس، إن كان الأمر على النحو الذي قالوه... لقد دعوت بالشريط المسجل وإلى غاية الأمس وصباح اليوم، أردت أن أستمع إليه لأكتشف هذا الالتباس فلم تسمح لي كثرة الشواغل لشيء من هذا؛ فأنا مضطر إلى أن أصحح المسألة لأنها خطأ علمي إن كان الأمر على النحو الذي أخبرني به الإخوة مشكورين يجب أن يصحح، لأن هذه معلومات أصبحت في ذمة التاريخ وواجب الإنسان حيالها نقلها بدقة وأمانة.

في هذه الناحية كنت أتحدث عن مدرسة الإسكندرية المعروفة في تاريخ الفلسفة باسم الأفلاطونية الحديثة، وطلبت إليكم أن تتذكروا الإسكندرية وفي الحقيقة فإن آريوس كان أسقف الإسكندرية، ولكنه رجل لم يلوث بأدران الوثنية ولهذا فهو لم يتورط بالقول بألوهية عيسى وبالثالوت الذي انتهى إليه مجمع نيقيا بتأثير من الإمبراطور الروماني الوثني قسطنطين الذي تظاهر بالدخول في الكنيسة وبالدخول في النصرانية ورفض أن يعمد مسيحيًا إلا بعد أن أصبح على فراش الموت؛ وكان طيلة عمره رجلًا من رجال السياسة يهتم باستقرار المملكة واستتباب الأمن في ربوعها وعدم ظهور بوادر التفرق والخلاف والنقود التي ضربت في عهد قسطنطين الإمبراطور الروماني والمحفوظة الآن في المتاحف تشير إلى هذا. فالنقود ضرب على أحد وجهيها شعار الصليب الذي هو شعار النصرانية وضرب على الوجه الآخر تمثال جوبيتر الذي هو كبير آلهة الوثنية اليونانية القديمة. فالرجل لا يطمئن كبار الثقات من المؤرخين لصحة مسيحيّته، ويكفي أن نرجع إلى مؤرخ ثقة كالأستاذ فيشر في تاريخه: تاريخ أوروبا في العصور الوسطى لندرس عظم الريبة التي تنتاب المؤرخين في صحة دخول قسطنطين في النصرانية فآريوس رجل من الموحدين الذين كانوا حقيقة على دين عيسى كما أنزله الله تعالى؛ يقول إن عيسى عبد أنعم الله عليه لا أكثر ولا أقل، اختصه بالرسالة وكلفه بإبلاغها إلى الناس ولا زيادة؛ وأما مدعيات بعض رجال الكنيسة من إضفاء طابع الوثنية على العقيدة المسيحية فشيء رفضه آريوس، وسبق قبل مجمع نيقيا عام 325 أن دُعي إلى مجمع اجتمع فيه رهبان مصر وليبيا، وحرموا بدعة آريوس وقرروا طرده من الكنيسة وإحراق كتبه ومطاردة تعاليمه؛ المأساة عند هذا الحد لم تشكل نقطة الانفراج بالنسبة للمسيحية لكن نقطة الانفراج في الحقيقة تشكلت مع مجمع نيقيا ففي ذلك المجمع قررت بصورة نهائية ألوهية عيسى صلوات الله عليه وتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا؛ من الذي حمل هذه الراية؟ حملها راهب كان في معية آريوس من تلاميذ المدرسة الأفلاطونية الحديثة اسمه الاكسندر فهو الذي أثار المسألة وحرض قسطنطين بمساعدة عدد من الرهبان، تمت الدعوة إلى مجمع نيقيا فاجتمع فيه ألفان وثمانية وأربعون راهبًا اختلفوا في هذا الموضوع وعلت أصواتهم ورمى بعضهم بعضًا بالكفر والإلحاد والمروق والوثنية فاختار قسطنطين منهم ثلاثمائة وثمانية عشر سلمهم كل إمكانيات السلطة ليقرروا العقيدة التي يرونها تحت رياسته، ورياسته رياسة وثنية في الأصل متأثرة بالفلسفة التي كانت سائدة في العصر الروماني في ذلك الحين والتي تقول باختصار إن الله الواحد يستحيل أن يصدر عنه العالم المتكثر لأن صدور العالم المتكثر يقتضي الحركة، والحركة تقتضي التغير، والتغير يقتضي الحدوث فرارًا من هذه الأشكال؛ قالوا إن الواحد الأول صدر عنه العقل الفعال، والعقل الفعال صدرت عنه النفس الكلية، والنفس الكلية صدرت عنها الأكوان المتكثرة، وفاضت عنها؛ وهذا هو ملخص نظرية الفيض المعروفة في تاريخ الفلسفة الأفلاطونية.

نلحظ أن الأفلاطونية فيها ثلاثة مبادئ أساسية، ونلحظ أن النصرانية قررت ثلاثة أقانيم متأثرة بهذا الجو الإسكندري المحض الذي كانت مدرسنه تحمل لواء الفلسفة الأفلاطونية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت