تفسير سورة ( ص )
الجمعة 29 ذي الحجة 1397 / 9 كانون الأول 1977
( 5 من 5 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
أرجو اليوم أن ألمّ بأطراف الحديث عما تبقى من سورة ) ص( ، وسأكون بذلك قد قطعت مرحلة طيبة بحمد الله تعالى ، استعرضت فيها المراحل الأولى للدعوة الإسلامية في الفترة المكية ، وأتوقع أنني سأريح نفسي فترة مناسبة بعد ذلك ، بعد أن أخذنا وعدًا من أخينا الشيخ عبد القادر بأن يتحمل بعض الواجب عليه وعلى القادرين من الخدمة اللازمة لهذه الأمة في وقت عصيب للغاية يتقاضى كل قادر على العطاء أن يبذل ما عنده على الأقل لكي يبرئ ذمته أمام الله تعالى ولكي يسعى لفك رقبته من النار .
فأقول مستعينًا بالله تعالى ، إن الذي عرضناه عليكم في الجمعة الماضية على الخصوص وفيما سبقها بعامة يشير إلى أمر ذي أهمية شرحناه لكم بالتفصيل ولا مانع من أن نعيد التذكير بفكرته العامة . ولقد رأيتم أثناء تحليلنا لسورتي القمر وصاد أنهما تتعاوران على قضية واحدة وعلى إبراز درس واحد بصورة رئيسية وهو أن تحث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تحث المؤمنين العاملين على طريقه بأن لا يسمحوا لضغوط الأحداث ولا لمنغصات الدنيا ولا للظواهر البشعة التي تظهر من الناس استجابة رديئة لهذه الدعوة أن تنزلهم عن الأفق الرفيع الذي وضعهم فيه ربنا تبارك وتعالى ، لأن الأصل أن الإسلام لا يجوز أن يتلون بألوان الذاتيات التي تحمله ، ولا يجوز بتاتًا أن تتدخل نوازع النفس بالتحكم بقوانين الدعوة وبطرائق الدعوة ، فهناك عزل كامل بين ما نريد نحن وما يريد الله تعالى ، وفرق ما بين المؤمن كامل الإيمان والمؤمن ضعيف الإيمان ، وفرق ما بين المؤمن العارف بمرادات الله جل وعلا والمؤمن ضعيف المعرفة بهذه المرادات هو هذا ، هو أن يوطّن الإنسان نفسه لكي يكون وفيًا وفاءً مطلقًا لما أراد الله تعالى ، برغم كل ما يعترضه في الطريق ، وبرغم كل ما تجيش به نفسه من المثبطات والمعوقات والمزعجات .
وذلك شيء اتضح بصورة رئيسية في الجمعة الماضية جزءًا من قصة داوود عليه السلام التي أمر الله محمدًا صلوات الله عليه أن يصبر على ما يقول المشركون ، وأن يذكر داوود ، فداوود عليه السلام برغم هذا المُلك المؤيد من الله تعالى الذي آتاه الله إياه ، وبرغم مما جبله الله عليه على سنة الأنبياء من طهارة النفس وسلامة الوجدان والقدرة على تخطي الصعوبات فإن الله تعالى حفاظًا على هذه القاعدة المنتجة التي تقتضي من العامل في سبيل الله بعدًا وارتفاعًا عن كل أشياء الدنيا ، إن الله كما رأيتم عاتب داوود عليه السلام عتابًا مرًا ومشوبًا بالتهديد حينما سمع قصة الخصمين وأذن لواحد ولم ينتظر أن يدلي الخصم الآخر بحجته ، فنطق بالحكم قبل ذلك ، فعاتبه الله جل وعلا ، وأشار إلى ما فعل بأنه الفتنة ( وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخرّ راكعًا وأناب فغفرنا له ذلك ) .
لكن المسألة لم تنتهِ في سياق التنزيل عند هذا الحد ، فكل شيء من هذا القبيل على سنة القرآن المعهودة لا بد أن يليها الدرس ، فالله جل وعلا بعد ذلك ذكّر داوود عليه السلام بموقعه من دين الله ، وبمسؤوليته التاريخية بالنسبة إلى رسالة الله جل وعلا ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) فأنت لستَ إنسانًا من الناس العاديين ، ولكنك قيّم على دين الله ، وهذا يتقاضاك أن تنطق بلسان الله وأن تعمل بما يرضي الله ، وأن تكف عن التعجل والنزق كالذي كان منك في قصة الحكمين ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) فثمة أمران في إدارة شئون البشرية وتخليص أمور الناس ، حق وباطل وشريعة وهوى ، ولا مجال لأن يُلفّق من الشيئين شيء جديد ، فالذي يكون مع الحق يبعد بكل تأكيد عن الهوى ، والذي يتلبس بالهوى ينسلخ بكل تأكيد عن الحق .
ولهذا كان شعار المؤمنين المتقين الميل مع الحق ورفض كل دواعي الهوى ، وليس بعيدًا عن أذهانكم قصة المرأة المخزومية التي سرقت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأهمّ المسلمين أمرها ، لأنها من عائلة وقبيلة لها في الشرف والرياسة جاهلية وإسلامًا نصيب موفور ، فتشاوروا فيمن يكلم رسول الله فقالوا: من يقدر على ذلك إلا أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما كلمه غضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبًا شديدًا وقال له: يا أسامة أتشفع في حدٍ من حدود الله ؟ وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها .