فهرس الكتاب

الصفحة 24284 من 27345

محمد (صلى الله عليه وسلم)

"مقدمة ملحمة النبي"

عمر أبو ريشة

أي نجوى مخضلة النعماءِ رددتها حناجرُ iiالصحراءِ

سمعتها قريش فانتفضت غضبى وضجت مشبوبة iiالأهواءِ

ومشت في حمى الضلال إلى الكعبة مشي الطريدة البلهاءِ

وارتمت خاشعة على اللات والعزَّى وهزتْ ركنيهما iiبالدعاءِ

وبدت تنحر القرابينَ نحرًا في هوى كل دمية iiصماءِ

وانثنتْ تضرب الرمال اختيالًا بخطى جاهلية عمياءِ

عربدي يا قريش وانغمسي ما شئت في حمأة المنى iiالنكراءِ

لن تزيلي ما خطه الله للأرض وما صاغه لها من iiهناءِ

شاء أن ينبت النبوّة في القفر ويلقي بالوحي من iiسيناء

فسلي الربعَ ما لغربة عبد الله تطوى جراحُها في iiالعزاء

ما لأقيالِ هاشم يخلع البشرُ عليها مطارفَ iiالخيلاء

أنظريها حول اليتيم فراشًا هَزجًا حول دافق iiاللألاء

وأبو طالب على مذبح الأصنام يزجي له ضحايا iiالفداء

هوذا أحمد فيا منكب الغبراء زاحمْ مناكب iiالجوزاء

بسم الطفل للحياة وفي جنبيه سرّ الوديعة العصماء

هبَّ من مهده ودبّ غريبَ الدار في ظل خيمة iiدكناء

تتبارى حليمةُ خلفه تعدو وفي ثغرها افترار iiرضاء

عرفت فيه طلعةَ اليمن والخير إذ أجدبت رُبى iiالبيداء

وتجلَّى لها الفراقُ فأغضت في ذهول وأجهشت iiبالبكاء

عاد للربع أينَ آمنةٌ والحبُّ والشوقُ في مجال iiاللقاء

ما ارتوت منه مقلة طالما شقَّت عليهِ ستائرَ الظلماء

يا اعتداد الأيتام باليتم كفكفْ بعده كل دمعةٍ iiخرساء

أحمدُ، شب يا قريش فتيهي في الغوايات واسرحي في iiالشقاء

وانفضي الكفَّ من فتى ما تردّى برداء الأجداد والآباء

أنتِ سميته الأمين وضمخت بذكراه ندوةَ iiالشعراء

فدعي عمه فما كان يغريه بما في يديك من iiإغراء

جاءه متعبَ الخطى شاردَ الآمال ما بين خيبةٍ iiورجاء

قال هوّنْ عنك الأسى ياابن عبد الله واحقن لنا كريمَ iiالدماء

لا تسفّه دنيا قريش تُبوّئك من الملك ذِروة iiالعلياء

فبكى أحمدُ، وما كان مَنْ يبكي ولكنها دموعُ iiالإباء

فلوى جيدَه وسار وئيدًا ثابتَ العزم مثقل iiالأعباء

وأتى طودَه الموشّح بالنور وأغفى في ظل غار حراء

وبجفنيه من جلال أمانيه طيوفٌ عُلوية iiالإسراء

وإذا هاتفٌ يصيح به"اقرأ"فيدوي الوجودُ iiبالأصداء

وإذا في خشوعه ذلك الأميّ يتلو رسالةَ iiالإيحاء

وإذا الأرض والسماء شفاهٌ تتغنى بسيد الأنبياء

جمعت شملها قريش وسلتْ للأذى كلَّ صعدةٍ iiسمراء

وأرادتْ أن تنقذ البغي من أحمد في جنح ليلة iiليلاء

ودرى سرَّها الرهيب عليٌ فاشتهى لو يكون كبش iiالفداء

قالـ: يا خاتم النبيين أمستْ مكة دار طغمةٍ iiسفهاء

أنا باقٍ هنا ولست أبالي ما ألاقي من كيدها في iiالبقاء

سيروني على فراشك والسيف أمامي وكل دنيا iiورائي

حسبي الله في دروب رضاه أن يرى فيّ أول iiالشهداء

فتلقاه أحمد باسم الثغر عليمًا بما انطوى في iiالخفاء

أمر الوحي أن يحث خطاه في الدجى للمدينة iiالزهراء

وسرى واقتفى سراه أبو بكر وغابا عن أعين iiالرقباء

وأقاما في الغار والملأ العلويُّ يرنو إليهما iiبالرعاء

وقفت دونه قريش حيارى وتنزت جريحةَ iiالكبرياء

وانثنت والرياح تجأرُ والرملُ نثيرٌ في الأوجه iiالربداء

هلِّلي يا ربى المدينة واهمي بسخي الأظلال iiوالأنداء

واقذفيها ألله أكبرُ حتى ينتشي كلُ كوكب iiوضاء

واجمعي الأوفاءَ إن رسول الله آتٍ لصحبهِ iiالأوفياء..

وأطلّ النبيُّ فيضًا من الرحمة يروي الظماء تلو الظماء

والصلاة الطهور عالية الأصداء جوَّابة بكل iiفضاء

هزت الجاهليَّ فاهتز إنسانًا نجيَّ الرسالة iiالعذراء

وقريش في يقظة الحقد وهجٌ من عتادٍ ولفحة من iiعداء

كلما مرَّ مؤمنٌ بحماها قذفته بطعنة iiنجلاء

خسة تترك المروءة غضبى وتردُّ الحُلومَ صرعى iiحياء

ضاق ذرعًا بها النبيُّ، فنادى فإذا الصافنات رجعُ النداء

وإذا الصِيد فوقها يحملون الشهبَ أسيافَ نخوة iiشماء

وتخطّاهم النبيُّ، فساروا في ركاب الهدى إلى iiالهيجاء

لم يرقه سفكُ الدماء، ولكن عجز الحلم في انتزاع iiالداء

دَرَنُ النفسِ ليس يمحى إذا لم تجرِ فيه مباضعُ iiالحكماء

وإذا الحلمُ لم تجد فيه بناءً فأكرم بالسيف من iiبنّاء

وقف الحقُّ وقفةً عند بدرٍ شحذت في الغيوب سيفَ iiالقضاء

ووراء التلال ركبُ أبي سفيان يحمي سرية الفيحاء

وقريش في جيشها اللجب تسعى بين وهج القنا وزهو iiالحداء

بلغت منحنى القليبِ ولفَّتْ مَن عليه ببسمة استهزاء

وأرادت أكفاءها فتلقاها عليٌ ذؤابةُ iiالأكفاء

جز بالسيف عنق شيبة وارتد إلى صحبه خضيبَ iiالرداء

فطغى الهول والتقى الند بالند وماجا في لجة iiهوجاء

وعيون النبي شاخصة ترقص في هدبها طيوفُ iiالرجاء

ودنت منه عصبة الإثم والموت على راحها ذبيح iiعياء

فرماها بحفنة من رمال ورنا ثائر المنى iiللعلاء

ودعا"شاهت الوجوهُ"فيا أرض اقشعرِّي على اختلاج iiالدعاء

قُضيَ الأمرُ يا قريش فسيري للحمى واندبي على iiالأشلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت