الأستاذ/ أنور الجندي
أعتقد أنه أصبح من الضروري في هذه المرحلة الجديدة من حياة الأمة الإسلامية إعادة النظر في موقف الدعوة الإسلامية وتصحيح حركتها ومواجهة العقبات التي تحاول أن تعترض طريقها .
أولًا: لابد من العودة إلى اتخاذ موقف واضح في سبيل استعادة القدس باعتبار أن هذه هي القضية الأولى والأساسية التي يجب أن تحشد لها الجهود وتركز حولها الاهتمامات ، فهي قضية المسلمين جميعًا وليست قضية العرب وحدهم .
والمسلمون مطالبون جميعًا باستعادة الأرض المغتصبة ، فإذا لم يتمكنوا منها في مرحلة من المراحل أو لسبب من الأسباب فيجب أن تظل القضية قائمة ومثارة وموضوعة دائمًا في دائرة الضوء .
ولابد أن يوجه لها المسلمون جانبًا من مقدراتهم لهذا الغرض التماسًا لحق الله تبارك وتعالى في موارد المسلمين مما يوجه لحماية الثغور وحشدها والقدرة على الردع واستعادة الأرض المغتصبة .
ثانيًا: التماس الوسائل التي تعيد للمسلمين وحدتهم وتحول دون الوقوع في الخلاف أو الصراع، وذلك بتقريب المذاهب والارتفاع فوق المسائل الفرعية والارتقاء في مجال القيم الكبرى الموحدة للمسلمين في دائرة التوحيد والنبوة وتحاشي كل ما يتعلق بالخلافات ، سواء أكانت قومية أو اقتصادية أو ما يتعلق بالدم أو الجنس أو العرق ، وليحذر المسلمون دائمًا المداخل التي يستطيع منها النفوذ الوافد الوقيعة بين عناصر المسلمين الذين تجمعهم دائرة الخطر، وليعلم المسلمون أنهم على مدى تاريخهم الطويل ماكانوا ليؤتوا إلا من خلال هذه الثغرة .
ويستطيع المسلمون أن يدعموا هذا الجانب ويسدوا هذه الثغرة عن طريق إدخال دراسات عن الوحدة الإسلامية الجامعة إلى مناهج التعليم والتربية من أجل القضاء على الخلافات وتفويت الفرصة على الخصوم وتقريب وجهات النظر .
فقد كانت الدعوات الإقليمية والقومية على مدى السنوات الماضية بتوجيه من النفوذ الوافد عاملًا شديد الخطر على تقسيم المسلمين إلى عرب وفرس وترك وبربر ، ومن يراجع تاريخ العالم الإسلامي في العصور الحديثة بعد عام 1500 ميلادية يستطيع أن يكتشف مدى الخطر الذي حل بالمسلمين نتيجة الصراع بين العرب والترك وبين الترك والفرس وبين العرب والفرس ، علمًا بأن المصدر الحقيقي لهذه العناصر جميعها هو الإسلام ، الذي جاء به محمد بن عبد الله والقرآن المنزل بالحق، ولكن النفوذ الأجنبي كان حريصًا على أن يوجد أكثر من صراع بين أجزاء الأمة الإسلامية سواء أكان صراعًا يتعلق بالعنصر (أكراد - عرب - ترك - فرس) أو بالعقيدة (سنة وشيعة) أو بالمذهب الاجتماعي الوافد (قوميون وماركسيون وليبراليون) .
وقد استشرت في فترة ما الأنظمة المستعلية بسلطان الفرد أو المستعلية بسلطان الفرد أو المستعلية بالسلطان القبلي وكان لها أثرها على اضطراب المجتمعات وظهور أزمات شديدة الخطر مما يتطلب التماس مفهوم الإسلام حول الشورى والعدل الإجتماعي فهو وحده القادر على حماية الأمة الإسلامية من المخاطر والمحاذير التي تحاول تدميرها.
ثالثًا: لقد أعطى الله تبارك وتعالى الأمة الإسلامية ثلاثة مصادر أساسية للثروة: هي الطاقة وثروة الركاز والتفوق البشري ، وهي بذلك في موضع الامتحان لحماية مقدراتها مما يمكنها من رد العدوان عن أراضيها ، ولقد آن الأوان لكي تقوم في بلاد المسلمين صناعات كبرى تنفق فيها من فوائض الأموال وذلك حتى يتحقق للمسلمين إقامة فريضة من أكبر فرائض الإسلام أهمية وهي الزكاة .
ولقد دعت بعض الدول الأوروبية المسلمين إلى استقطاع مبالغ تساوي 20 في المائة من مدخراتها للإصلاح الاجتماعي الشامل ، ولم يكن المسلمون في حاجة إلى توجيهات خارجية ، فإن الإسلام قد شرع للحكومات تخصيص زكاة الركاز (وهي تساوي 20 في المائة) للارتفاع بمستوى المجتمع الإسلامي .
رابعًا: من أخطر الظواهر التي يجب أن تعالج بواسطة مؤتمر إسلامي عالمي: ظاهرة قيام الحرب بين عناصر الأمة الإسلامية بعد أن كانت الحروب تقوم على مدى التاريخ الإسلامي بين المسلمين وبين أعدائهم وخصوم دينهم .
ويتطلب هذا الأمر دراسة العوامل التي فرضتها المفاهيم الوافدة حول الخلافات الفكرية والعقائدية ومدى تباين وجهات النظر بين النظرتين القومية الغربية وبين مفهوم العروبة الإسلامية .
خامسًا: مازال المجتمع الإسلامي يتطلب من الحماية مايحول بينه وبين استغراقه في وسائل التدمير الخلقي والاجتماعي بتفشي الخمور والمخدرات والسهرات الصاخبة والتصرفات الفاجرة التي تزخر بها بعض الفنادق والبيوت .
ولعل عبرة التدمير التي وقعت في بعض الأماكن من شأنها أن تنبه المسلمين إلى هذا الخطر .