من سرق النور ؟!
د. مسفر بن علي القحطاني 15/6/1427
نتفق أن النور هبة ربانية من الله -عزوجل- ونعمة لا تُقدّر بثمن (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) . هذا النور الأخّاذ نلتجئ إلى ضوئه عندما تبدأ العتمة, نبحث عنه في الظلمة لنرى الطريق الأفضل والأسلم, ونشعله عندما تختفي الأشياء عنا, أوتنعدم الرؤية الواضحة منا.
النور لا يمكن أن يحرم أحدًا من إشعاعه، ولا يختص بأحد في ضيائه؛ لذا نحبه ونقترب منه بل ونتغزل به !.. وسعادتنا لا توصف للدفء والطاقة التي تمنحها أشعته للوجود, أوالحيوية التي يهبها للكائنات بخروجه علينا في إشراقة كل صباح ..
هذا النور.. لا يليق به أن يكون سلاحًا للحرب، أو معولًا للهدم، أو نقمة على الناس, لكنه بفضل بعض مثقفينا أصبح النور والضياء سيفا مضّاء؛ لا لقشع الظلمة بل لحرب الخصوم، وتصفية الحساب مع المخالفين.
فمن خلال قراءة بعض المقالات التي كُتبت حول التنوير العربي في صحافتنا المحلية, لفت انتباهي الاستعمال النافر لمفردة التنوير ذات الاشتقاق الرئيس من النور بكل صفاته السالفة, لكنها وظّفت أيدلوجيًا بطريقة قاتمة، وبقوالب معينة؛ مَن وافقها استحق لقب المستنير، وإلا كان ماضويًا متخلفًا مستبدًا, فأصبحت بالتالي اتجاهًا فكريًا ودينيًا يقسم الناس بحدها القاطع كالسيف الفارق بيد أعمى لا يبصر حقيقة هذا النور اللاهب, وحتى الفنانون - كما قرأت في بعض تصريحاتهم - بدؤوا في تسويق هذه المفردة ربما في معناها الخاص جدًا الذي لا يخرج عن رأي تبناه أحدهم حول فكرة فنية قد تكون أسمج من البحر الميت, لكن الهالة العظيمة لهذا المفهوم كانت إغراءً لا يقوم لاستعمال هذه المفردة المظلومة عند الفنانين فكيف بالمثقفين والفلاسفة أصحاب التشقيق والخوض في التفصيلات المملة.
وبالطبع إن المفهوم المقابل للتنوير أثناء الطرح والسجال هو التقليد والرجعية والتطرف والتخلف وغيرها من المفردات الظلامية, هذا ما قرأته في عدد من المقالات التي حملت عناوين صدامية مثل:"التطرف في مواجهة التنوير"، و"التنوير صراع ضد التخلف"، و"هل انتصر التنوير"، و"جدلية التراث والحداثة". كُتبت هذه المقالات وغيرها بلغة المعركة التي يستخدم فيها كل طرف أعتى ما لديه من الأسلحة لقصم ظهر خصمه؛ لأنها كُتبت في جو محموم من الخصومة والتنافر, وهنا لا أريد الانتصار لفريق على آخر؛ لأن حجم التطرف واقع عند الخصمين، فكل طرف يحمّل الآخر إخفاق الإصلاح الشامل في المنطقة، وكل تداعيات الضعف والانحسار في التغيير. فكما أني أرى أن هناك نوع إصابة لدى كل طرف, لكن الخطأ الذي أستنكره يعود إلى فرض التنوير بالإرهاب الفكري، والإنكار التام لأي مبادرة إيجابية في الإصلاح ما دام أنها صدرت من أحد الطرفين. في حين أن التنوير قضية تنمو مع الوعي الناضج المحفّز للفعل الحضاري كقاعدة مقررة في سنن التغيير والنهوض. و من المستحيل أن يُبنى الوعي المستديم في حس المسلم بمثل هذه الخطابات الإقصائية والتحديات الحزبية والانتقام من الآخر برد كل ما لديه من حق وباطل. وأعتقد جازمًا أن التنوير المقترن بالتجديد في الخطاب والمعتد بالثوابت والمحترم للتراث بات ضرورة ملحة في مشهدنا الفكري والثقافي، وأي محاولة للاستحواذ والاقتناص للنور بطريقة حرب العصابات لن يزيدنا إلاّ تأخرًا وظلام