محمد إسماعيل السيد أحمد (*) 29/8/1425
الغيبة كلمة توبق صاحبها في النار وتورثه العار والشنار؛ لأنه أعطى نفسه هواها, فأوردته المهالك وما اشتهاها, ولكن للأسف، فإن المؤمن الذي انحسر الإيمان من قلبه, حتى أصبح ذبالة كذبالة المصباح الذي كاد ينطفئ, وضع الشيطان خرطومه على قلبه، فلم يبق له رادعا من ضمير. قال عليه الصلاة والسلام:"إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب". وفي رواية:"يهوي بها في نار جهنم."
إنها كلمة: يصف بها أخاه المسلم وصفا ذميما: إشارة أو عبارة, ينفس بها الشيطان عن نفسه فيوقعه في الخسران المبين! وأي خسارة أعظم من أن يتكلم الإنسان بكلام لا يعود عليه إلا بنقص حسناته حتى إذا فنيت حسناته أُخذ من سيئات من اغتابه فطرحت عليه فطرح في النار.
إنها كلمة يلفظها اللسان بعد أن يلوكها ولا يفكر فيها ولا يتدبرها ولا يظن أنه مؤاخذ بها إذ إنها تغيب عن أذهان كثير من الناس, فهذا سيدنا معاذ بن جبل -رضي الله عنه-, يقول له النبي- صلى الله عليه وسلم-:"ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟"قال معاذ-رضي الله عنه-: قلت بلى يا رسول الله, قال فأخذ بلسان نفسه وقال:"كف عليك هذا"فقلت: يا نبي الله, وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال:"ثكلتك أمك يا معاذ, وهل يكبُّ النَّاس َ في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم".
وفي حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- يقول النبي - صلى الله عليه وسلم-:"من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة"، ما بين لحييه عبارة عن الكلام الذي ينطق به: فلا ينطق إلا بما يرضي الله -عز وجل- وما بين رجليه كناية عن الجماع, فلا يقرب الحرام الذي حرمه الله من الفواحش.
والغيبة: كلمة أو كلام تذكر بها أخاك المسلم بسوء أو مكروه, وسميت غيبة لأنك تتكلم عنه وتذمه في حالة غيابه، وقد عرفها النبي - صلى الله عليه وسلم-، ولا أفضل من تعريفه لها , قال صلى الله عليه وسلم:"أتدرون ما الغيبة؟"قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:"ذكرك أخاك بما يكره"، قال الإمام النووي -رضي الله عنه-, في الأذكار: (ذكر المرء بما يكرهه سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو خَلْقِه أو خُلُقِه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته باللفظ أو الإشارة أو الرمز ... إلى أن قال: ومنه قولهم عند ذكره:"الله يعافينا, الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة, ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة) ."
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم- الفرق بين الغيبة والبهتان في تتمة للحديث السابق حيث قيل: أرأيت يا رسول الله إن كان فيه ما أقول؟ قال:"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته, وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".
والبهتان قول عظيم النكارة باطل الدلالة، متحمل صاحبه إثما وعذابا أليما، قال تعالى:
"والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا" [الأحزاب: 58] .
قال الحسن البصري -رحمه الله-: (الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله: الغيبة والإفك والبهتان، فأما الغيبة فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فأن تقول ما بلغك عنه، وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه.
حكم الغيبة:
الغيبة حرام بإجماع أهل العلم كما نقل ذلك الإمام النووي، وقد نقل القرطبي الاتفاق على أنها من الكبائر, لما جاء فيها من الوعد والوعيد الشديد في القرآن والسنة.
أدلة تحريم الغيبة:
أولًا - من كتاب الله تعالى:
أ - قال تعالى:"ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم" [الحجرات:12] ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (حرم الله أن يُغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة) .
وقال القاضي أبو يعلى عن تمثيل الغيبة بأكل لحم الميت: (وهذا تأكيد لتحريم الغيبة, لأن أكل لحم الميت محظور، ولأن النفوس تعافه من طريق الطبع، فينبغي أن تكون الغيبة بمنزلته في الكراهة) .
ب - وقال تعالى:"ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان" [الحجرات: 11] ، قال الحافظ ابن كثير:"لا تلمزوا أنفسكم"أي لا تلمزوا الناس, والهماز واللماز من الناس مذموم ملعون, كما قال الله:"ويل لكل همزة لمزة" [الهمزة:1] , فالهمز بالفعل واللمز بالقول.
قال الشنقيطي: (الهمز يكون بالفعل كالغمز بالعين احتقارًا أو ازدراءً, واللمز باللسان وتدخل فيه الغيبة) .
ج - وقال تعالى:"ويل لكل همزة لمزة" [الهمزة:1] ، وقد سبق بيان معناها وفيها: الويل: وهي كلمة زجر ووعيد بمعنى الخزي والعذاب والهلكة، أو واد في جهنم أعده الله للعصاة المعاندين والكفرة الفاسقين.