فهرس الكتاب

الصفحة 15021 من 27345

السؤال: أنا شاب أدرس بالفرقة الثالثة في كلية الحقوق ، و بالطبع ندرس قوانين الغرب الكافرة ، فما حكم استمراري في دراسة هذه القوانين ، و ما حكم عملي بعد التخرج في مجال المحاماة أو النيابة أو القضاء ؟

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

فأحسب أن الأخ السائل لا يخالفني في الحكم بكفر من لم يحكم بما أنزل الله سواء كان مبدلًا أو مشرعًا أو قاضيًا بغير الشريعة الغراء .

فقد قال تعالى في معرض الوعيد الشديد لمن أعرض عن حكمه العدل الفصل إلى ما سواه: ( و َمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ، و قال: ( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) و قال أيضًا: ( وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ المائدة: 44-45-47 ] .

و أقل هذه الأوصاف هي الفسق ، و الموصوف بها هو من يحكم بغير الشريعة في المسألة الواحدة لهوى في النفس ، دون أن ينصب نفسه مشرعًا من دون الله ، يقضي و يفصل بما لا يرضي مولاه .

أما الحكم العام للحاكم بغير ما أنزل الله فالأصل فيه أنه كفر ، و حكم الكفر لا يرفعه إلا الإكراه ، و لا أظن من يقدم طواعية لدراسة القانون أو العمل في القضاء الوضعي أو النيابة أو المحاماة يقدم على أيٍّ من هذه الأمور مكرهًا ، فتنبه !

فإذا تقرر كفر من هذه حاله و العياذ بالله ، وجب التنبيه على أمور تتعلق بدراسة القانون الوضعي و العمل في مجاله بعد التخرُّج فيما يلي بيانها:

• أولًا: الوسائل تأخذ حكم الغايات ، و القاعدة الفقهية تقول: ( الأمور بمقاصدها ) فمن درس القانون الوضعي متذرِّعًا به إلى العمل في المحاكم الوضعية قاضيًا أو نائبًا أو مدعيًا أو نحو ذلك ، فهذه كلها ذرائع إلى الحكم بغير ما أنزل الله ، و هي السبيل إلى الكفر الصراح ، و العياذ بالله .

• ثانيًا: إن مجرد تلقي علوم القانون في المعاهد و الجامعات مع العلم بكفر من يحكم بها ، دون اقتران دراستها ببيان مفاسدها ، أو مقارنتها بالشريعة الربانية لبيان البديل الشرعي الراجح على ما سواه بالحجج العقلية و النقلية ، فالدراسة محرمة في هذه الحال ؛ لأنها قد تفضي بقلب الطالب إلى أن يُشرَبَ الفتنة ، أو تَتَمَكَّنَ منه الشُبهة .

• ثالثًا: في مقابل الحالة السابقة هناك من يدرس القانون الوضعي لمعرفة مفاسده و أخطاره على عقائد الناس و حقوقهم ، فهذا من قبيل معرفة الشر للحذر و التحذير منه ، و بيان مفاسده ، و مثل هذا مثل من يدرس في كلية الاقتصاد ليقف على تفاصيل بعض التعاملات الربوية و ما يقابلها من البدائل الشرعية المتاحة ، فهو بذلك قد يكون عونًا للمسلمين على الخير ، و دالًا على ما يستحق أجر فاعله ، إذ إن الدال على الخير كفاعله .

• رابعًا: إذا كان الطالب متذرعًا بدراسة القانون إلى كسب يحرزه ، أو دنيا يصيبها ، فكسبه من هذا الباب حرامٌ كله ، فضلًا عما يلحقه من الخطر العظيم ، خطرِ الردة بعد الإسلام ، و الكفر بعد الإيمان .

• خامسًا: تدرِّس بعض الجامعات المعاصرة مواد القانون الوضعي إلى جانب المواد الشرعية في كليات الشريعة ( و منها كلية الشريعة في جامعات دمشق و بغداد و الإمارات و غيرها ) و إن كان بعض تلك الكليات يحمل اسم كلية الشريعة و القانون للدلالة على منهجها المختلط .

و الدراسة في هذه الكليات مشروعة بحكم الأصل إذا سلمت النية فيها ، لأن الأصل في مقرراتها و مناهج الدراسة فيها هو العلوم الشرعية ، و علوم اللغة العربية ، و نحو ذلك مما يعرف بعلوم الآلة ، إلى جانب مواد القانون التي يتم تدريسها كمقررات ثانوية ، يمكن للطالب المرور عليها مرور الكرام ، و الوقوف على ما فيها من فساد يمكن عرضه على ما في المناهج الشرعية من سداد ، و مج باطله في مستنقعات الباطل الأثيم ، دون أن يؤثر في الطالب أو غيره .

• من درس القانون لمعرفة ما فيه من شر تمكن مقاومته ، و سعى إلى إبراء ذمته بالتحذير من حكم البشر ، و الدعوة إلى تطبيق الشريعة الربانية ، و العمل على ذلك ، بالوسائل المشروعة فهو مأجور على مسعاه ، و بوسعه أن يستعين بما تعلمه في إنصاف المظلومين ، كالدفاع عن المعتقلين و المتهمين زورًا و بهتانًا بما بات يسمى إرهابًا ، حيث إن المحاكم التي تنظر في قضاياهم لا تقر بالوحي مصدرًا للتشريع ، و لا بالشريعة حكمًا فيما شجر و يشجر بين الخلق من خلاف ، فإن استغل معرفته بالقانون الوضعي للدفاع عن هؤلاء و إنصافهم و فك رقابهم فنعم الفعل فعله ، و لا غضاضة فيه و لا حرج ، بل هو مأجور غير موزور إن شاء الله ، و الله أعلم .

و بالجملة - أخي السائل الكريم - أسأل الله تعالى أن يستعملك في طاعته ، و أن ييسر لك سبل مرضاته ، و أن يكفيك بالخير عن الشر ، و بفضله عن الغير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت