فهرس الكتاب

الصفحة 7146 من 27345

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين.

إن من أعظم الأمور التي يعتصر لها القلب وتضطرب لها النفس، أن ترى الأمة التي كانت في الصدارة بين الأمم قد تراجعت عن ريادتها وقيادتها، وصارت في آخر الأمم، فإذا هي أمة ضعيفة مهزومة بعد أن كانت قوية منتصرة مرحومة، ترى أبناءها بعد التقدم والسير إلى الآخرة قعدوا وأخلدوا إلى الأرض وصدق فيهم الحديث:

عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ) [رواه أبو داود وأحمد] .

وبعد أن كانت تُنصر قبل خروجها من دارها، أصبحت تُغزى في قعر دارها كما صح عن: جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ) [رواه البخاري ومسلم] .

ومن أعظم أسباب هذه المصائب والمحن انشغال أبنائها عن الدعوة إلى الله، فإنَّ الله جل وعلا ابتلى الناس فلم يخلقهم ليكون الهدى والخير غالبا دائما أو ليكون الشر والفُحش مهزوما دائما؛ بل المسألة اقتضت حكمة الله جل وعلا أن يكون فيها جذب تارة وتارة، وذلك لحكم عظيمة ومن أعظمها أن يبتلي الله جل وعلا الناس ليعلم الصادقين منهم والمجاهدين وليبلوا أخبارهم، قال جل وعلا {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] ، وقال جل وعلا {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31] وقال جل وعلا {وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ} [النمل:48] ، وقال أيضا جل وعلا {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ} [القصص:4] ، وهذا وأمثاله كثير في القرآن ليبين أنه جل وعلا أراد إرادة كونية أن يكون في الأرض شر وفساد وبعد عن الله جل وعلا، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليأخذ العباد بأسباب الدعوة إلى الله جل وعلا ليحتاج الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد؛ جهاد النفس وجهاد الشبهات وجهاد الشهوات وجهاد أعداء الله باللسان والسنان.

فالأمة الآن تحتاج إلى مزيد من الدعوة وإلى مزيدٍ من نشر الخير لمن له قدرة على البيان وعلى نشر الخير والتعاون عليه.

فالدعوة إلى الله جل وعلا مأمور بها في القرآن ومأمور بها في السنة ليتحقق التدافع الذي جعله الله جل وعلا سمة للمكلفين، يدفع الخيرُ الشرَّ فتعظم الأجور ويظهر الصادق من غيره، وتعظم الحسنات وتُكَفَّر السيئات.

قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [البقرة:251]

الدعوة إلى الله جل وعلا جاءت في النصوص بهذا الاسم: الدعوة إلى الله، قال جل وعلا {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108] وقال جل وعلا في وصف نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام {وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب:46] ،

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) [رواه أبو داود]

والعلماء ورثوا الأنبياء في العلم وفي العمل، وإذا كان الأنبياء أمروا بالدعوة في كل حال لتبليغ رسالة الله جل وعلا فإن العلماء في مكانهم في نشر دين الله جل وعلا وتعليم الناس الخير، وقال جل وعلا في وصف عيسى عليه السلام {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:31] ، قال بعض أهل العلم {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} أي جعلني معلما للناس الخير أينما كنت، وهذه هي حقيقة البركة التي يَعظم أثرها وتنتشر في الناس البركة زيادة الخير ونماؤه، وزيادة الخير ونماؤه لا يكون إلا بالدعوة إلى الله عز وجل والدلالة عليه وتعليم الإسلام وأركان الشريعة وبفتح أبواب الخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت