بقلم د. سعد بن مطر العتيبي
"... مصطلحات سمعها الناس وتلقّاها العوام كما ردَّدها العلماء والولاة تماما .. حتى إنَّك لتسمع بعض العامة المتصلين بالإذاعة أو القناة يفتتح مكالمته ، بعبارة في غاية البراءة: ألو .. ممكن أبايع ؟! ممكن أبايع ؟! فيرد المذيع: تفضل .. تفضل..."
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه .. أما بعد:
نحن جزء من أمَّة تدين بالإسلام ، فلا عجب أن تنقاد لأحكام الشرع الحنيف في شؤونها ، صغيرها وكبيرها ، ولا عبرة بمن شذَّ .. هذه حقيقة يجب أن تبقى واضحة جليَّة .
وحيث يعيش مجتمعنا هذه الأحداث الأخيرة المهمَّة التي كان أوَّلها مصيبة وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - ينبغي لنا أن ننظر بتأمّل إلى أهمية هذه الحقيقة التي صدّرت بها هذا المقال وأن لا نرددها ترديد المتغنين ولا نمر بها مرور العابرين.
ومن هنا رغبت أن أضع بعض ما يؤكِّدها ، لتعلم الأمَّة بركة هذا الدين لأهله ما كانت مستقيمة على أصوله ، وأهمية الاعتصام بأصليه ( الكتاب والسنة ) ورحمة الله بالمستمسكين بها صدقا وإن وجد منهم قصور ؛ وليعلم الآخرون أنَّ أمامهم أرقامًا صعبة إن كان بهم حراك خارج الحقيقة أعلاه ، أو كان لهم مناهج خفية توحي بها بعض فلتات ألسنتهم ! وهذا شيء من التوضيح للقضية الكبرى أعلاه ، في نقاط موجزة مختارة من واقع الحدث:
أولًا: باختصار .. انتقل المُلك إلى ولي العهد بطريقة قانونية دستورية واضحة ، عيَّن فيها الملك الجديد ولي عهد له ، و مرَّ الحدث بهدوء لا ينكره إلا مكابر ؛ وهذا كلَّه مع ما كان من إرجافٍ وتحليلات فاشلة ؛ فلله الحمد والمنّة .
ثانيًا: نُفِّذت أحكام الجنائز وفق الكتاب والسنة - بوصفها أوَّل أحكام شرعية إسلامية عامَّة في ظل القيادة الجديدة - في جنازة الملك فهد رحمه الله تعالى ، من الغسل والتكفن والصلاة والدفن والقبر ، وشاهد ملايين الناس هذه التفاصيل الشرعية من غير غلوِّ مُبْتَدِعٍ أو غوايةِ قبوريِّ مفتون ؛ فكانت رسالة عملية أصدق إنباء من الكتب . اطَّلع بها المسلمون على يُسْرِ هذا الدين ، ومساواته ، وسهولته (( إنَّا أمَّة أميَّة ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا ) )، بمثل هذه البساطة والسهولة واليسر اتضح لمن ينهجون نهجًا آخر في شأن الجنائز ، أنَّهم قد وضعوا على أنفسهم آصارًا و في أعناقهم أغلالًا ، لم يشأ الله أن يشدِّد على الأمة بها ( ولو شاء الله لأعنتكم ) .
فلا عرباتٍ ولا مدافعَ ولا صحبة موسيقى حزينةٍ ولا عقودَ بناءٍ للقباب ، وهي أمور لن تعجز عنها ميزانية من وسَّع الحرمين لو كان على غير هدى .
بل أحضره الأقربون مسجى على نعش خشبيٍ عامٍّ يحمل اسم المستشفى الذي توفي فيه .. مغطى بعباءةٍ رجالية وفق الأسلوب المعتاد الذي لا محذور فيه .. ورفعوه على أعناقهم إلى المسجد ومنه ، وكذا في المقبرة ، بين القبور .. ليس في ساحة مسجد قد بُني ، أو وضع أساسه ببناء القبر .
إنَّها دروس في العقيدة الإسلامية الصافية ، لم نملك مدامعنا ونحن نراها ، كما نراها مع كلِّ جنازة ! ولولا رؤية حامليها لما فرقنا بينها وبين الجنازة الأخرى .
فلله الحمد والمنَّة .. وجزى الله خيرا كل من سلك في ذلك السُنَّة .
ثالثًا: ظهرت مصطلحات لها شذى إسلامي فقهي تاريخي عبق .. تداولتها وسائل الإعلام واستضافت لها المتخصصين من الفقهاء وغيرهم ممن يقرؤون السياسات ، فكم كان لسماعها في الأنفس من نشوة: إنَّها مصطلحات لم تعرفها الديمقراطية زرقاء العين ، مع أنها وجدت قبلها بأكثر من أربعة عشر قرنًا !.
مصطلحات سمعها الناس وتلقّاها العوام كما ردَّدها العلماء والولاة تماما .. حتى إنَّك لتسمع بعض العامة المتصلين بالإذاعة أو القناة يفتتح مكالمته ، بعبارة في غاية البراءة: ألو .. ممكن أبايع ؟! ممكن أبايع ؟! فيرد المذيع: تفضل .. تفضل .. تسمع الفقيه يتحدث عن وجوب المبايعة ، وأنها حكم شرعي وليس دعاية سياسية .
وهكذا مصطلح ( المنشَط ) و مصطلح ( المَكْرَه ) وغيرها من مصطلحات الفقه السياسي الإسلامي الأصيل .
لقد كانت هذه المصطلحات في هذه الأيام تحوم حول الأرض حوم الأقمار الصناعية ، وتلفت أنظار الأباعد فيما أتخيله ببساطة: أشعة ليزر دعائية ، تقول للعالم: هنا مكَّة ! هنا الإسلام هنا السلام .
وهنا أرفع صوتي أكثر .. لأقول لمن ينادون بثقافات الآخرين - في كل مكان - من العلمانيين واللبراليين ومن تمسح بهم و نحى نحوهم واتبع غوايتهم: أربعوا على أنفسكم أيَّها القوم ، فو الله إنَّ ولاءنا لأمتنا وولاة أمرنا ، ولاء ديني إسلامي ، يوجبه الدين في المنشط والمَكْرَه .. وليس ولاء مصلحيًا لا يتحمل نقص المصلحة الشخصية في المنشط ، بلْه أن يدين بالولاء في المَكْرَه ! .
فشيئًا من الحياء يا من تلبسون الثياب وتتحدثون من خلال ربطة العنق .