هذا هو رمضان
الحمد لله الذي جعل الصّيامَ جُنّة وسببًا موصِلًا إلى الجنّة، أحمده سبحانه وأشكره هدى ويسّر فضلًا مِنه ومِنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، دلّنا على أوضحِ طريقٍ وأقوم سُنّة.
بعد ساعات تهب علينا نسائم شهر الصيام والقيام، شهر الراحة النفسية والسعادة الروحية، شهر الركوع والسجود.
مساجدنا فيه معمورة، ومصابيحنا فيه مشهورة، وذنوبنا فيه بإذن الله مغفورة، وقلوبنا فيه مجبورة. شهر ضياء المساجد، شهر الذكر والمحامد، شهر الطمأنينة ومحاسبة النفس، والتخلص من النزعات الذاتية، والملذات الآنية، في شهوات البطون والفروج، والعقول والأفئدة، والتي شرع الصيام لأجل تضييق مجاريها في النفوس، وكونه فرصة كل تائب، وعبرة كل آيب توّاقة إلى تحصيل ما يُثبت قلوبها،
أيها المسلمون، شهر رمضان المبارك هو شهر القرآن، القرآن الذي لا تنطفئ مصابيحه، والسراج الذي لا يخبو توقده، والمنهاج الذي لا يضل ناهجه، والعزّ الذي لا يهزم أنصاره، القرآن ـ عباد الله ـ هو في الحقيقة بمثابة الروح للجسد، والنور للهداية، فمن لم يقرأ القرآن، ولم يعمل به فما هو بحيّ، وإن تكلم أو عمل أو غدا أو راح، بل هو ميت الأحياء، ومن لم يعمل به ضل وما اهتدى، وإن طار في السماء أو غاص في الماء، أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا [الأنعام:122] .
إن الإنسان بلا قرآن كالحياة بلا ماء ولا هواء، بل إن الإفلاس متحقق في حسّه ونفسه، ذلك أن القرآن هو الدواء والشفاء، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت:44] .
إلهنا، يا من ترى مدَّ البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويا من ترى نياط عروقها في نحرها والمخّ في تلك العظام النُحَّل
امنُن علينا بتوبة تمحو بها ما كان منا في الزمان الأول.
رمضانُ شهرُ الرّحمات والبرَكات والحسناتِ والخيرات، تفتَح [فيه] أبوابُ الجنّة وتغلَق أبواب النّار، فيه ليلةُ القدر خيرٌ من ألفِ شهر، مَن صامه وقامَه غُفر له ما تقدّم من ذنبه، ولله تعالى فيه عتقاءُ من النّار. هو شهرُ التّراويح والقيام والاصطِفاف في محاريبِ التهجّد، شهرُ سكبِ العبراتِ وإقالة العثرات. رمضانُ شهر الذِّكريات والانتصارات، فيه كانت غزوةُ بدرٍ التي سمّاها الله يومَ الفرقان، وفيه فتحُ مكّة حين أعلِنَ التّوحيد وهُدِم الشّرك وأزيلَت الأصنام وألقيت في الحضيض شعاراتُ الجاهليّة، وكانت خطبة النبيّ هي إعلان التّوحيد لله حين قال: (لا إله إلا الله وحده، نصَر عبده، وأعزَّ جندَه، وهزم الأحزابَ وحده) ، ثم رفِعت راية التوحيد، وأذّن بلال، رضي الله عنه:
الله أكبر.. الله أكبر أشهد ألا إله إلا الله..أشهد أن محمدا رسول الله.
وأرسِيَت معالمُ للدّين وضّاءَة. لقد كان في شهرِ رمضان فتوحات وانتصاراتٌ وغزوات على مرِّ العصور الإسلاميّة المزدهِرة، فهل يعِي المسلمون أسرارَ شهرِ رمضان؟! عبادةٌ وجهادٌ، وهمّة واجتِهاد، فهو شهر الجِدِّ والتّشمير، وهو تذكرةٌ للأمّة لمراجعةِ حساباتها وعلاقتِها بدينِها، وتفقُّد مواضع الخَلَل، فكلّ رمضان دروسٌ وعبَر، في التجرّد والتّوحيد والتوجُّه والالتجاء للخالِق المجيد، واستنزال النّصر من السماء، دروسٌ في وَحدة الأمّة ونبذِ الفرقة والاختلاف، في المواساةِ وشعورِ الجسد الواحد.
هذا هو رمضان، خَلوف فمِ الصّائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، والصّيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يومَ القيامة، وللصائم فرحتان: إذا أفطَر فرِح بفطره، وإذا لقيَ ربَّه فرح بصومه، وفي الصحيحين أنّ النبيّ قال:"لا يصوم عبدٌ يومًا في سبيل الله إلاّ باعد الله بذلك اليومِ النّار عن وجهه سبعين خريفًا"، والصيامُ يورث التّقوى، كما أنّ قراءة القرآن تنشئ نورَ الهداية في القلوب، وفي الصومِ تربيةٌ على كسرِ الشّهوة وقطع أسبابِ العبوديّة للأهواء والشهوات، للصّائم دعوةٌ لا تردّ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لي وَلْيُؤْمِنُواْ بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] .