إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ? [ آل عمران: 102] ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ً? [النساء: 1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته . وبعد:
في حجة الوداع تلك الحجة التي أرسى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قواعد الإسلام، وأبطل عادات الجاهلية وتقاليدها، وبين للناس أمور دينهم ومناسك حجهم، فيكون - صلى الله عليه وسلم - بذلك قد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة وأكمل المهمة التي ابتعثه الله بها، وكان يشير - صلى الله عليه وسلم - في خطابه وتوجيهه لتلك الحشود التي شرفت بالحج معه - صلى الله عليه وسلم - بأن وقت المغادرة قد حان وأنه الوداع للأمة في تلك المشاعر الطاهرة والأماكن المقدسة فقد كان يقول:"أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا".
وكأني بالناس وقد سكنوا وأنصتوا، وكأن الدنيا أنصتت كذلك إلى تلك الكلمات العظيمة المودعة التي نطق بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أنست به الدنيا كلها منذ أكرمه الله به من النبوة والرسالة فكان رحمة للعالمين ، فها هو اليوم يلمح بالرحيل، بعد أن قام بأمر ربه، وغرس الأرض بغراس الإيمان والتوحيد، هذا هو - صلى الله عليه وسلم - يلخص المبادئ التي جاء بها وجاهد في سبيلها في حجة الوداع في كلمات موحية مؤثرة ويحمل أمته مسئولية الدعوة والبلاغ والسير على الصراط المستقيم ثم يريد - صلى الله عليه وسلم - أن يطمئن بأن الأمة قد دعت رسالتها وفقهت عنه ما أمره الله بتبليغه وبيانه، وماذا سيقولون لربهم يوم القيامة عندما يسألهم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - في ختام خطبته العظيمة، في حجة الوداع على صعيد عرفات موجهًا خطابه إلى تلك الجموع: إنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون؟ وارتفعت الأصوات من حوله قائلة: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. عندئذ اطمأن الرسول الحبيب - صلى الله عليه وسلم - ، وبدت ملامح الرضا في عينيه الكريمتين ونظر بهما إلى السماء مشيرًا بسبابته إليها ثم إلى الناس ، قائلًا: اللهم اشهد .. اللهم اشهد .. اللهم اشهد""
أيها الإخوة المؤمنون: في حجة الوداع وفي تلك المشاهد وهاتيك البقاع أنزل الله على عبده ورسوله قوله الكريم: ? ... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا...? [التوبة:3] ، نزلت هذه الآية بعرفة يوم الجمعة في حجة الوداع بعد العصر والرسول - صلى الله عليه وسلم - على ناقته، وفي هذه الآية الكريمة إعلان بكمال الرسالة، وتمام النعمة، فقد أكمل الله الدين فليست فيه زيادة لمستزيد، وأتم نعمته الكبرى على المؤمنين بهذا المنهج القويم والشرع الحكيم والدين الكامل الشامل في عقائده وعبادته ، وأحكامه وآدابه، ورضي الله لهم الإسلام دينًا، فمن لا يرتضيه منهجًا لحياته إذًا، إنما يعلن رفضه وتمرده على ما ارتضاه الله للمؤمنين. وإن الإنسان المؤمن ليقف خاشعًا أمام منَّة الله عز وجل ونعمته العظيمة الجليلة المتمثلة في إكمال الدين وإتمام النعمة واختيار الله لنا هذا الدين القويم ، وارتضاه لنا دينًا قيمًا، ربط الخير والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة باعتناق الإسلام والقيام بفرائضه وتطبيقه في الصغيرة والكبيرة، والعظيم والحقير من أمور حياتنا، كما أن الله تبارك اسمه وتعالى جده جعل الشقاء والضنك والخسران في الدنيا والآخرة في الابتعاد عن الإسلام والإعراض عنه، واعتناق دين سواه فقال سبحانه: ? وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ? [ آل عمران:85] .