فهرس الكتاب

الصفحة 21793 من 27345

لماذا أسلمة المعرفة ؟

إن تقليد العلم الغربي ، أو استيراده ، لا ينشئ حضارة ، أو يعيد بناءها بعد تفككها ودمارها..

إن هذا « يصنع» في أفضل حالات نجاحه عالمًا ثالثًا يدور في فلك حضارات الغير .. قد يتقدم في سلّم المدنية «المادية» لكنه على المستوى الحضاري لا يملك خرائطه الثابتة المتميزة على سطح الكرة الأرضية.

إن اليابان والصين ـ مثلًا ـ إذ قدرتا على تجاوز المرور عبر هذه القناة الضيّقة، خرجتا من معركة التحدّي وهما أكثر أصالة وتحضّرًا .. وهما تملكان في عالمنا المعاصر ثقلهما وحضورهما وتميزهما الملحوظ.

ماذا حدث بالنسبة لتركيا الكمالية سوى أنها أصبحت، حتى في منظور الغربيين أنفسهم ، مثلًا يضرب للتندّر على أولئك الذين يحاولون اللحاق بالغير وهم يتعاطون الكيدية منه ، ويقلّدونه صباح مساء ، متنازلين عن كل ما له مساس بشخصيتهم وأصولهم الحضارية؟

إن أسلمة المعرفة ، من خلال هذا التحليل الموجز ، تبدو ضرورة بالغة لأنها ستتجاوز بمسلمي اليوم والغد إحدى اثنتين قد تأتيان عليهم كأمة متميزة: الذوبان في الغير ، أو العزلة الكلية عن الاستفادة من تقدمه.

هاهنا ، وعندما يتاح لهذه الأمة أن تمارس نشاطها المعرفي في دائرة الإيمان ، فإنها ستعرف كيف تنتزع النار المقدسة من الآخرين ، لا لكي تحرق بها العالم أو تدمر بها نفسها بإغراء القوّة والتكاثر والتكديس ، ولكن لكي تبني ذاتها بمفردات المعرفة المنضبطة بمطالب الإيمان. بل إنها قد تمضي لكي تستعيد دورها المنسيّ: إعادة بناء العالم بالمعرفة المتبّصرة بالإيمان ، المستمدة من هدي الله سبحانه.

إن النشاط العلمي ينبثق في معظم الأحيان عن رغبة في الكسب ، أو طموح شخصي إلى الاكتشاف والتفوّق. فإذا وسّعنا دائرة التحليل صوب الجماعات فإن النشاط العلمي يتخذ غالبًا وسيلة للتحقّق بالنمّو الاقتصادي والعمراني والاستراتيجي ، وبالقوة المسلحة.

وهذه كلها دوافع قد تكون مبررة ، خاصة وأنها قادت ـ بالفعل ـ إلى المضي بالحركة العلمية صوب آفاق لم تخطر ببال إنسان ، وتمخضت عن نمو اقتصادي وعمراني مذهل، وعن تفوّق للقوة يكاد يكون من قبيل السحر والخوارق.

لكن ماذا لو أضفنا إلى هذا كلّه ، أو قبل هذا كله ، الدافع الإيماني ، باعتباره الدافع الأكثر إلحاحًا وإلزامًا للنشاط العلمي الذي يجعل من سعي الإنسان في العالم ضرورة أو فريضة يتقرب بها إلى الله ؟ ويتحتم على أولئك الذين يملكون قدرة ما في نطاقها أن يواصلوا السعي لمزيد من الاكتشاف ، وبالتالي لمزيد من التحقق بالنمّو والقوة اللتين يأمر هذا الدين بالأخذ بأسبابهما كشرط حاسم للتحول بالإيمان من مواقع العزلة والانفصال إلى مراكز الاندماج والتناغم في هذا العالم ، من أجل أن تكون كلمته فيه هي الكلمة التي لا رادّ لها.

إن «أسلمة المعرفة» تعني وفق هذا التحليل ، منح النشاط العلمي ، على مستوييْ الكم والنوع ، وقودًا جديدًا يدفعه للمزيد من الاشتعال والتألق اللذين يكشفان عن الحقائق.. يضيئان السنن والنواميس.. يشيران إلى مصادر القوة والطاقة المذخورة التي طالما أكد عليها كتاب الله ودعا المسلمين إلى تمزيق الستار الذي يحجبها ، وإخراجها للناس كي تمنحهم الخير الوفير.

المنار ، العدد 76 ، ذو القعدة 1424هـ

العلوم الإنسانية ، بخلاف العلوم الصرفة أو التطبيقية ، علوم احتمالية لكونها تتعامل مع الإنسان فردًا وجماعة ، وكل ما تطمح إليه هو أن تكون نتائجها مقاربة للحقائق أو مضيئة لها. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنها تخلو من الحقائق النهائية أو القاطعة ، أو تفتقد نقاط الارتكاز الموضوعية.

ورغم أن عددًا من علماء النفس والاجتماع وغيرهما من العلوم الإنسانية ، (ادعوا) اكتشافهم للحقيقة ، ومضوا أبعد من ذلك ، فقالوا بأن كشوفهم هي الحق الوحيد وأن ما دونه الباطل ، مدفوعين في ذلك وراء إغراءات ذاتية ليست موضوعية في معظم الأحيان ، فإن مما يكاد يجمع عليه الباحثون الجادون الأكثر تجردًا في دوائر العلوم الإنسانية ، أنه ليس بمقدور أحد كائنًا من كان ، أن يضع يديه على الحقائق النهائية التي لا تتعرض للتبديل أو التحوير.

وعلى مدى عقود محدودة فحسب من القرن العشرين رأينا تساقط العديد من النظريات والكشوف (الإنسانية) أو تعرضها للتآكل والانكسارات في أقل تقدير ، لكي ما تلبث أن تخلي الطريق لمعطيات جديدة قابلة هي الأخرى للتعديل والتبديل ، أو الإلغاء والانسحاب من مجرى التسلط العلمي ، ورغم أن بعض هذه الكشوف حقق انتشارًا كبيرًا وأنشأ أجيالًا من الناس ، وأقام دولًا وأنساقًا فكرية شمولية فإن المصير الذي آلت إليه في نهاية الأمر هو التدهور والسقوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت