فهرس الكتاب

الصفحة 25766 من 27345

د. يوسف محمد صديق*

الحمد لله أهل الحمد والهادي إليه والمثيبِ به، أحمده بأرضى الحمد وأزكاه لديه، على تظاهر آلائه وجميل بلائه، حمدًا يكافئ نعمه، ويوافي مِنَنَه ويوجب مزيده، وأسأله أن يُلْهِجَنا بشكره، وينفعنا بحب القرآن المرشد في آيه الكريم للاتفاق (وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) ( [1] ) ، وقوله جل جلاله: (إنَّ اللَّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيانٌ مرصوص) ( [2] ) ، وقوله جل جلاله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ( [3] ) .

الناهي عن الفرقة والشقاق في قوله جل جلاله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ( [4] ) ، وقوله جل جلاله: (وأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) ( [5] ) ، وقوله جل جلاله: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ) ( [6] ) ، وقوله جل جلاله: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) ( [7] ) .

كما نسأله اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به في كل هديه، وفى جميع توجيهاته، ونخص منها دعوته للاتفاق والبعد عن الخلاف، كما نسأله أن يجعلنا ممن صمت ليسلم، وقال ليغنم، وكتب ليعلم، وعلم ليعمل،ونعوذ به جل جلاله من حيرة الجهل وفتنة العلم وإفراط التعمق، فكم من طالبٍ حظه العناء، وضاربٍ في الأرض غنيمته الإياب لا غيره، وقد جاب البلاد وفنى التِلاد، وقطع الرحم وضيع العيال على جفا الغربة وطول العزبة وخشونة المطعم.

فإن التقريب بين المسلمين والاتفاق عمل تعبدي بقوله جل جلاله: (ولا تنازعوا فتفشلوا) ( [8] ) ، وإن وقع خلاف فهو سجال الإخوة وانجذاب المؤمنين.

من الخطأ افتراض أننا نعيش أوضاعًا ليس لها مثيل من قبل، ونخطئ ثانية حين نقترح البدائل من أنصاف الحلول والمواجهة، مقرين أنه يحب أن تختلف الطرق والأساليب، عما كان عليه الأمر في عهد السلف الصالح. وهذه النظرية ليس لها حظ من الصواب بل هي خطأ صراح، فلدينا سيرة نبوية عطرة أصل لحضارتنا وثقافتنا التي عايشت كل الظروف، مواكبة الحلو والمر منها، متجلية في فترة الضعف والتمكين، والكثرة والقلة، ومع الموافق والمخالف، وعايشت اليهود والمنافقين بالمدينة المنورة، والوثنيين بمكة المكرمة وجزيرة العرب، والنصارى في نجران وبلاد الشام، وضعفاء النفوس من المسلمين، كما عايشت الاختلاف في وجهات النظر منذ العهد النبوي الشريف ثم عصور بني أمية وبني العباس والدولة التركية حتى أسقطها كمال أتاتورك بخيانة عام 1924م.

والعبرة في مدارسة هدى السلف في الاتفاق، بشواهد وقواعد الثقافة الإسلامية العامة التي انطلق منها سلف الأمة مطبقين عليها مجمعين حولها، وليست بالاجتهاد الفردي غير الملزم، وإنما الملزم للناس هو الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع الثابت، وليس المدعى.

وليس ثمة حجر وابتداع أن يقع الاختلاف في النظر بين العلماء المجتهدين، مع رعاية أصول الاختلاف وأصول المناظرة والتنازع، فلا تأنيب ولا تدابر؛ وإنما خلاف يعقبه اتفاق، في أدب يكسو المعرفة جلاء ويزينها وضوحًا، يُبينُ عن طيب معدن المختلفين ويبرز مقاصدهم الحسنة، وحرصهم على الهداية، وبعدهم عن الهوى وحظوظ النفس،"قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب" ( [9] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت