د. علي محمد علوان*
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد.
مقدمة
إن الإسلام منهج ذو خصائص متميزة من ناحية التصور الاعتقادي، ومن ناحية الشريعة المنظمة لارتباطات الحياة كلها، ومن ناحية القواعد الأخلاقية التي تقوم عليها هذه الارتباطات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها، فلا بد أن تكون هنالك جماعة من الناس تحمل هذا المنهج لتقود به البشرية، وقيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي؛ فهي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة، الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة، والقيم، والأعمال، والأحداث والأشياء والأشخاص، وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله تعالى، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض، والأخوة في الله، كي يقوم كيانها على الحب والتكافل والتعاون.
توطئة
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) ( [1] ) .
امتن الله تعالى على الجماعة الإسلامية الأولى بهذه النعمة: نعمة الأخوة المعتصمة بحبل الله تعالى، وما كان إلا حبل الله تعالى الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخواناً؛ فهي أخوة تنبثق من التقوى، وهي الركيزة الأولى، وعلى الأخوة في الله اعتصاماً بكتاب الله تعالى، هي الركيزة الثانية. وبلغت تلك الجماعة في ذلك مبلغاً، لولا أنه وقع لعُدَّ من أحلام الحالمين، وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، وهي قصة وقعت في هذه الأرض، ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان ( [2] ) ، وعلى ذات النهج يجب أن يرفع النداء عالياً لوحدة الصف، واتحاد الكلمة، وقيام الأخوة في الله تعالى.
وحدة الصف والتضامن الإسلامي فريضة دينية وضرورة إنسانية
إن الدعوة إلى الاتفاق ووحدة الصف لا تأتي تلبية للحاجة الملحة وللظروف المحيطة بالأمة الإسلامية فقط، وإنما هي استجابة لأمر إلهي، وتحقيق لمطلب ديني، قال الله تعالى: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) ( [3] ) ، وقال تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) (2) .
هذه الآيات وأمثالها تحدد طبيعة المجتمع المسلم، والقاعدة التي يقوم عليها وينطلق منها، والعلاقات التي تسود بين أفراده، إنها ليست علاقة الدم، ولا علاقة الأرض، ولا علاقة الجنس والتاريخ واللغة والقرابة، وليست هي الوطنية والقومية والمصالح الاقتصادية، إنما هي علاقة الولاء القائمة على العقيدة، وعلاقة القيادة الربانية والتنظيم الحركي الذي ألف بين قلوب أعضائه وأفراده.
قيام هذا المجتمع الإسلامي الحركي، الذي ألف الله تعالي بين قلوب أفراده، ضرورة لازمة في مواجهة التجمع الجاهلي ــ تجمع الكافرين والمشركين ــ، فالتجمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد، إنما يتحرك ككائن عضوي، يتدافع أعضاؤه بطبيعة وجوده وتكوينه للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه، فهم أولياء بعض طبعاً وحكماً. ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة تجمع آخر له خصائصه وذاتيته، فإذا لم يواجههم الإسلام بتجمع ولاؤه بعضه لبعض، وصفه متحد، وأخوته قائمة، فستقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام، ويقع الفساد في الأرض، ويقع الناس عبيداً للعباد مرة أخرى وهو أفسد الفساد ( [4] ) .
فوحدة الصف المسلم لازم من لوازم عقيدة التوحيد، ودعامة من دعائمها لإيجاد الأمة المسلمة في مواجهة الملل الكافرة، قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ( [5] ) ، ووجود هذه الأمة وإخراجها لا يكون إلا بالأخوة الصادقة، وحدة الصف المخلص مهمة وضرورية أكثر من أي وقت مضى؛ حيث يترتب على وجودها فوائد ومنافع هي: