بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
تمهيد
أقدّم هذه الكلمة لا لأنتقد ولكن لأنصح، ولا أوجهها إلى فئة معينة ولا إلى حركة خاصة في الساحة الإسلامية، ولكن أوجهها إلى نفسي أولًا فأنصحها وأبذل جهدي لآخذها بالعزيمة. ثمّ أنصح لكلِّ مسلم وكلَّ حركة إِسلامية، والعمل الإسلامي كله، فكل بني آدم خطّاء، كثير الخطأ، وخيرهم من تاب وأناب واستغفر، كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف:
فعن أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
(( كلّ بني آدم خطاء وخير الخطائين التوّابون )
[ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم ] (1)
وإِني إِذ أقدّم هذه الكلمة، فإني أقصد بها النصح الخالص لوجه الله، بعيدًا عن كلمة"النقد"، فقد اقترحت منذ عدة سنوات أن نستبدل كلمة"النصح"بكلمة"النقد"، وخاصة في ميادين الإسلام والعمل الإسلامي (2) ، فكرًا ونهجًا وتربية وفقهًا وأدبًا. فكلمة النصح أطيب معنى وأغنى دلالة وأقرب إلى نفوس المؤمنين.
شهد العصر الحديث ظهور العمل الإسلامي تحت شعارات مختلفة، اتَّخذ بعضها صورة حزبيّة واضحة ملتصقة بالشعار، واتخذ بعضها شعار العمل الخيري، وقسم آخر ابتدأ نافيًا عن نفسه صفة الحزبيّة، ولكنه ما لبث أن كوّن التجمع منه صورة حزبية من الناحية العملية والعاطفية والعلاقات. وحمل كلُّ تجمُّعٍ لونًا من ألوان العصبية التي ساهمت في زيادة الفرقة أَكثر مما ساهمت في جمع القلوب والصفوف.
ونودّ أن نعرض فيما يلي بعض النقاط التي نراها هامة بالنسبة لما نشعر بوجوب النصح فيه في هذه المرحلة من مسيرة العمل الإسلامي.
أُخوَّة الإِيمان والولاء بين الشعار والتطبيق
ومع الأيام تكوّنت ولاءات متعددة مرتبطة بالشعار أو بالتجمع أو بالأشخاص، في صورة فقدت معها إشراقة الولاء الحق لله، الولاء الأول الذي يجب أن تنبثق منه كل موالاة في الحياة الدنيا، وأهمها أخوّة الإيمان.
أخوّة الإيمان لا يمكن أن تتحقّق في الواقع في الحياة الدنيا إِلا إِذا تحقّق الولاء الأول لله وحده، والعهد الأول مع الله وحده والحبُّ الأكبر لله ولرسوله، لينبع من ذلك كلُّ موالاة إِيمانيّة صادقة وكل عهد في الدنيا صادق، وكلُّ حب في الله صادق.
والولاء كما يصوره لنا منهاج الله ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربية ـ هو تصوّر فكريّ محدَّد، وإيمان واضح المعالم، وعاطفة صافية، ومسؤوليات وواجبات، وممارسة إيمانيّة في الواقع، ممارسة إيمانيّة واعية صادقة تقوم على صفاء الإيمان والتوحيد، وصدق العلم بمنهاج الله، ووعي الواقع من خلال منهاج الله لا من خلال سواه. إنه ليس مجرّد شعار خالٍ من الممارسة والتطبيق.
فالولاء الأول لله، والعهد الأول مع الله، والحب الأكبر لله ولرسوله، أسس لابد من تحقيقها في النفس، في الفكر والتصور في الممارسة والتطبيق، حتى تتحقّق الأخوة الإيمانيّة على الصورة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، خالية من العصبيات الجاهلية، نقيّة من الأهواء وتضارب المصالح الدنيوية الماديّة.
وأخوّة الإيمان ليست عاطفة فحسب، ولكنها مسؤوليات وواجبات، وحقوق والتزام، لا تسقط حتى لو تغيّرت العاطفة. وهي رابطة المؤمنين جميعًا يجب الوفاء بحقوقها والوفاء بمسؤولياتها بين جميع المؤمنين في الأرض. إِنها رابطة ربّانيّة أمر بها الله المؤمنين جميعًا.
وفي واقع الإنسان لا يتحقق ذلك إلا بالتربية والبناء، والتعهّد والتدريب، والمعالجة والتقويم، والإدارة والإشراف، والمتابعة والتوجيه، حتى يهيّء هذا كله صدق الالتزام تحت الإشراف والتوجيه والمعالجة. لابد من الإدارة الحازمة ونظامها الواضح وقواعدها الجليّة، لترتبط مع نهج التربية والبناء والتدريب والإعداد ومع المناهج التطبيقية والنماذج العمليّة، ليضم ذلك كله نظريّة عامّة للدعوة الإسلامية تحمل معها الدراسات التفصيلية لكل بند من بنودها، وتحمل معها"ميزان المؤمن"!
لقد شهد عصرنا الحديث في الساحة الإسلامية اضطراب التصوّر لمعنى الولاء، حتى كاد"الولاء"نفسه يصبح شعارًا خاليًا من نبضة الحياة وإشراقة الممارسة الإيمانيّة. وكادت مبادئ أخرى في الإسلام تصبح شعارًا أكثر مما هي ممارسة، شعارًا نتغنىّ به في المقالات، ونتنافس فيه في ميادين الإعلام"وإثبات الوجود"في الساحات.
من خلال ذلك أصبح الولاء في الساحة الإسلامية من الناحيّة العملية لدى بعض المسلمين ولاءً لرجل أو وطن أو مصلحة على صورة مستقلة عن الولاء لله، ليست نابعة منه، ولا مرتبطة بالعهد مع الله، ولا بالحبّ الأكبر لله ولرسوله.