الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد:
فمن السهل أن يتحدث المرء بما يريد ، بل لن يجد الإنسان أي صعوبة في نشر الاتهامات وتوزيع الألقاب على الآخرين ، وكذلك من السهل تغيير الحقائق وقلب الأمور بحيث يصبح الصادق كاذبًا ، والكاذب صادقًا ، والأمين خائنًا ، والخائن أمينًا ، وتغيير الحقائق سياسة جديدة قديمة ، قد أشار إليها القرآن الكريم فعلى سبيل المثال قوله تعالى عن فرعون عليه من الله ما يستحق: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ(26) غافر.
وهذه الآية الكريمة تضمنت أمورًا عدة:
1: اعتذار: ففرعون لا يريد أن يفعل أي فعل من تلقاء نفسه ، فهو يريد موافقة قومه وإذنهم رغم أنه المتفرد بالقرار السائل الذي لا يسأل ، فهو يستأذن قومه بقتل موسى، ولو أقبل على قتل موسى دون أن يستأذن قومه لما واجه أي اعتراض ، فقومه قد أذعنوا له بالطاعة والانقياد وأقروا له بالربوبية وهم على علم ويقين بأن ذلك ضلال محض وباطل لا حقيقة له قال تعالى حاكيًا عنهم: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ(14) النمل.
ولكنها الأهواء التي تجعل من أصحابها ذيولًا لا عقول لهم ، ولا إرادة ، تقلّبهم المصالح في دياجير الباطل والظلم والاستبداد دون أدنى تفكر أو اعتبار ، ومع هذا يستأذن فرعون قومه ليجعل من نفسه الحاكم الأمين الذي لا يخطو أي خطوة إلا بموافقة قومه ومباركتهم ، فهم رأس ماله إذ لا وجود له إلا بهم ، وهكذا تنبني حياة الكذب والأباطيل بين الراعي والرعية ، فالراعي يعلم حقيقة نفسه ، وكذلك الرعية يعرفون ذلك جيدًا .
2: تحدي: وذلك في قوله: ( وليدع ربه ) . فقد جاء هذا القول بعيد قوله لقومه ذروني اقتل موسى ، فهو يريد قتل موسى بلهجة المتحدي الذي لا يخاف عواقب الأمور ، فلسان حاله يؤكد لسان قاله ، فقد أنكر فرعون رسالة موسى نافيًا أن يكون للناس إله غيره ،إذن فمن الطبيعي أن يظهر فرعون الثقة بنفسه وبموقفه أمام قومه ، وإن كان قومه عالمين بكذبه وافترائه .
3: تعليل: ففرعون لا يريد أن يقتل موسى ظلمًا وعدوانًا بزعمه بل يريد قتل موسى شفقة بقومه وإرادة للإصلاح وقطع دابر الفساد ، فهو يقبل على هذا الأمر الصعب خوفًا من أن يبدل موسى معتقد قومه ، أو أن يظهر في الأرض الفساد ، إذن فهو درءًا للفتنة يريد قتل موسى عليه السلام متحديًا بذلك رب موسى سبحانه جل في علاه .
والمتأمل في هذا النص القرآني يدرك سفاهة فرعون وكذبه وخداعه ، فأي فساد يخافه فرعون على قومه ، وأي دين هذا الذي يخشى فرعون على تبديله ، أما دين فرعون فهو معروف قال تعالى: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ(38) القصص
ففرعون لا يرى لقومه إلهًا غيره ، فهو في زعمه المعبود المطاع ، وخلا ذلك كفر وضلال .
وأما الصلاح الذي يراه ويخاف من تغييره فهو ما قاله الله سبحانه عنه: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(4) القصص
وما يفعله فرعون قمة الفساد ، إلا أن هذا الفساد بنظر فرعون إصلاح ، ودونه فساد يخشى على قومه منه ، والشاهد في المسألة أن فرعون استطاع الحكم على موسى كليم الله سبحانه بالفساد ، وأنه يعمل كل ما بوسعه من أجل التخلص من موسى عليه السلام للقضاء على مظاهر الفساد جميعها ، وما يفعله فرعون لعنه الله تعالى في رأيه إصلاحًا ورشادًا ، قال تعالى حاكيًا عن فرعون في مخاطبته لقومه: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ(29) غافر
فسبيل الرشاد في نظر فرعون ، محاربة دين الله سبحانه ، وقتل رسله وأوليائه ، وإشاعة الفساد في الأرض وغير ذلك من الجرائم البشعة .
وإدعاء الأمور من غير أدلة سياسة فرعونية متكررة واجهها كل الأنبياء والدعاة إلى الله سبحانه ، ولا أدل على ذلك من موقف قريش وغيرهم من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ، فقد إُتهم صلى الله عليه وسلم بتهم كثيرة منها ( الجنون ) قال تعالى: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ(51) القلم