د. عبد الحي يوسف*
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فأتقدم بهذه الكلمات بين يدي هذا اللقاء العلمي الحافل الحاشد الذي يؤمه جماهير أهل العلم، والغيورون من أمة الإسلام في السودان، وقد أقض مضاجعهم ما يرونه من منكرات فاشية، وما يقرؤونه ويسمعونه من كلمات لأناس يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ فتنادوا إلى هذا اللقاء العلمي تحت رعاية مجمع الفقه الإسلامي المبارك؛ ليتدارسوا إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبداية أنطلق من عنوان هذا اللقاء: (الحسبة مسئولية الجميع) فأقول: الحسبة لغة: اسم من الاحتساب، ومن معانيها الأجر وحسن التدبير والنظر، ومنه قولهم: فلان حسن الحسبة في الأمر إذا كان حسن التدبير له. واسم الفاعل المحتسب أي طالب الأجر. ومن معانيها الإنكار يقال: احتسب عليه الأمر إذا أنكره عليه، والحسبة اصطلاحًا: عرفها جمهور الفقهاء بأنها الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله [1] .
وإني منطلق في ورقتي هذه ـ إن شاء الله ـ من المصطلح القرآني الشائع عند جماهير المسلمين، والذي نطقت به السنة المطهرة، وهو مصطلح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون مصطلح الحسبة الذي قد يكون غريبًا على أسماع الكثيرين، وقد لا يفهمون المراد منه، ساعيًا إلى تقرير أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة التي شرعها الله جل حلاله طريقًا للإرشاد والهداية والتوجيه إلى ما فيه الخير ومنع الضرر، وحبب إلى عباده القيام بها؛ دعوة إلى البر والقسط والإيمان، ومنعًا للكفر والفسوق والعصيان، وتعاونًا على البر والتقوى؛ فقال جل حلاله )وتعاونوا على البر والتقوى , ولا تعاونوا على الإثم والعدوان( [2] وذلك في أربع نقاط هي:
1.بيان معنى كل من المعروف والمنكر
2.حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
3.الآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
4.بيان مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين رعاة ورعية وأن يسدد على طريق الحق خطاهم، وأن يوفق القائمين على أمر هذا الملتقى العلمي إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن يجري الحق على ألسنتهم وأقلامهم، وأن يجعل حكامنا ـ في السودان ـ ردء للإسلام وأهله ممن يقولون بالحق وبه يعدلون، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين،،،،
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،،
أولًا: بيان معنى كُلٍّ من المعروف والمُنكر
المعروف في اللُّغة: ضِدُّ المُنكر. قال الزَّجَّاج:"هو ما يُستحسَنُ من الأفعال، وهو اسمٌ جامعٌ لكُلِّ ما عُرِف من طاعة الله، والتَّقرُّب إليه، والإحسان إلى النَّاس [3] . والمُنكر ضِدُّ ذلك جمعيه، وقد سُمِّي معروفًا، لأنَّه مألوفٌ مقبولٌ مرضيٌّ عنه، وأُريد به ما يُقبل عند أهل العُقُول، وفي الشَّرائع، وهو الحقُّ والصَّلاح" [4] ."والمُنكر من الأمر خلاف المعروف [5] ، وأُريد به الباطل والفساد" [6] ، وهو اسمٌ جامعٌ لكُلِّ ما عُرِف بالشَّرع والعقل قُبْحُه، من معصية الله تعالى، وظُلْم عباده.
فالأمر بالمعروف: أمر بما يوافق الكتاب والسنة، والنهي عن المنكر نهي عما تميل إليه النفس والشهوة. وقيل: الأمر بالمعروف الإشارة إلى ما يرضي الله تعالى من أقوال العبد وأفعاله، والنهي عن المنكر تقبيح ما تنفر عنه الشريعة والعفة، وهو ما لا يجوز في شرع الله تعالى. [7]
والناظرُ في هذه التَّعريفات يدْرِكُ ـ بداهةً ـ أنَّ المقياس في تحديد المعروف والمُنكر هو الشَّرع وليس العقل، إذ التَّحسين والتَّقبيح شرعيَّان لا عقليَّان [8] ، وكذلك ليس المقياس العُرْف، إذ من العُرْف ما هو صحيحٌ مُعتَبَرٌ، ومنه ما هو فاسدٌ لا قيمةَ له [9] .
ولعلَّ العُرْف الفاسد قد جعل كثيرًا من المُنكرات معروفًا، وصيَّر كثيرًا من المعروف مُنكرًا، والمتأمل في حياة الناس لا يعدم كثيرًا من الأمثلة التي يستبين منها حقيقة الأمر ومن ذلك: 1ـ ما يظنه بعض الناس أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في خصوصيات الناس وتعدٍّ على حرياتهم، وبالمقابل جعلوا السُّكُوت على المُنكر وإقراره حكمةً ووقارًا وسكينةً ورزانةً، حتى شاعت بين المُسلمين مقولات تدلُّ على مدى ما أصابهم من جهل وانحطاط، كقولهم: دع الخلق للخالق، وأترك المُلْك للمالك، أقام العباد فيما أراد، وقولهم للآمر والنَّاهي: أنت تُريد أن تُصلِح الكون؟!!!
2ـ ما استقر عند كثيرين من أن التعدي على الأموال العامة وسرقتها ـ تارة بالغصب وتارة بتسخيرها في مصالح خاصة ـ إنما هو نوع من الذكاء وحسن التصرف؛ كما أن المحافظة عليها والورع في استخدامها بلاهة وعدم تبصر بعواقب الأمور!!!