فهرس الكتاب

الصفحة 26273 من 27345

سماحة الشيخ عبدالله ابن جبرين

الحمد لله، والصلاة والسلام على محمَّد وعلى آله وصحبه، أما بعد.

فقد اشتهر عند الإخوان وعند غيرهم أمر دولة الدنمارك؛ وهي دولة صغيرة، دولة حقيرة، ولكن حملتها الغطرسة والكبر والحقد على الإسلام والمسلمين على هذه الأعمال السيئة، التي أعلنتها؛ ومنها: السخرية والاستهزاء بالنبي الكريم، أشرف الخلق محمَّد صلى الله عليه وسلم، وتماديهم في هذا الأمر الذي هو هذه السخرية.ولا شك أنَّ هذا يثير حفائظ المؤمنين، أهل الخير... أهل الإيمان، الذين يحبّون النَّبي صلى الله عليه وسلم. ويجب أن نكون كذلك، أن نكون، جميعاً، نحبُّ نبينا صلى الله عليه وسلم كما أمرنا بذلك وفرضه علينا: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنَّاس أجمعين ) ). هذا كلامه صلى الله عليه وسلم. ولمَّا قال له عمر رضي الله عنه: والله، يا رسول الله، إنك أحبّ إلي من كلِّ شيءٍ إلا من نفسي، فقال: (( لا يا عمر، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك ) )فقال في الحال: والله إنك أحبّ الي من كلِّ شيء حتى من نفسي! فقال: (( الآن يا عمر ) ).

وقد صدقت محبّة الصحابة رضي الله عنهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم. وإذا كان كذلك، فإنّهم يحبون من أحبّه، كل المؤمنين يجب أن يحبّوا أحباب النبي صلى الله عليه وسلم وأن يبغضوا من أبغضه.

ومن آثار البغض:

أن يقاطعوا أولئك الدول الذين سخروا من سنته، واستهزؤوا بسيرته، وتنقصوه. كان الواجب، من آثار هذه الغيرة، وهذه الحماسة: أن يقاتلوا !!! أن نقاتلهم، وذلك لأنهم أصبحوا محاربين، فليس لهم ذمَّة، وليس لهم عهد، وليس لهم أمان.

فيجب أن يقاتلهم المسلمون، ولكن قد لا يُستطاع ... مع نظام الدول... واعتراف الدول الكبرى والصغرى ببعض... أدى ذلك إلى أنهم لا يستطيعون القتال في هذه الأحوال، وإذا كان كذلك، فإنّ الله تعالى قد حرَّم موالاة الكفّار؛ ومن موالاتهم: مصادقتهم، أو مؤاخاتهم، أو إعزازهم، أو الرفع من شأنهم، أو نحو ذلك.

وقد اهتم بهذه المقاطعة أئمة الدعوة، رحمهم الله، بالبعد عن توليهم، فألف الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمَّد بن عبدالوهّاب، رحمه الله، رسالة كبيرة، سمَّاها: (( أوثق عرى الإيمان ) ). كذلك ألف كتاباً آخر، فيه واحد وعشرون دليلاً من أدلة القرآن والسنة على تحريم موالاة الكفّار، ابتدأ الأدلة بقوله تعالى (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حتى تتبع ملتهم ) ). وذكر من الأدلة قوله تعالى (( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) ). وقول الله تعالى (( لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يؤلونكم خبالاً ) ). وقوله (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً ) ).

وقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنَّصار أولياء بعضهم أولياء بعض ) ). وقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفَّار أولياء واتقوا الله ) ).

وقوله (( ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنَّبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ) ). فهكذا يكون المؤمنون حريصين على أن لا يتولوا جميع الكفّار.

وألف في ذلك الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله، رسالة بعنوان: (( بيان النّجاة والفكاك من موالاة أهل الإشراك ) ).

ومما نقله عن بعض العلماء، بعض السلف: أنهم قالوا: من برا لهم قلماً، أو لات لهم دواة، أو ناولهم قرطاساً فقد دخل في هذه الموالاة.

وتكلم على ذلك، أيضاً، ابن القيّم، رحمه الله، في كتابه الذي سمَّاه: (( أحكام أهل الذمَّة ) )، تكلم على اسخدام الكفَّار، وكذلك توليتهم شيئاً من الولايات التي لها أهمّيّة.

وتكلم على ذلك، أيضاً، محمَّد بن مفلح، رحمه الله، في كتابه الكبير: (( الآداب الكبرى ) (( الآداب الشرعيَّة ) )، وذكر ما رُوي عن بعض الصحابة؛ ومنهم: عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، لمَّا كتب له أحد عمَّاله: إن عندنا كاتباً لا نستطيع الاستغناء عنه، فقال: لا ترفعوهم بعد أن وضعهم الله، لا تعزوهم بعد أن أذلهم الله، لا تكرموهم بعد أن أهانهم الله، لا تقربوهم بعد أن أبعدهم الله.

ولما كتب له آخر: إننا لا نستغني عن هذا الكاتب، كتب إليه سطراً واحداً، أو أقل: مات النَّصراني، والسلام.

أي قدِّر أنَّه مات، فهل يتعطّل المكتب؟

والكلام على هذا مشهور، وكثير في كلام العلماء وبالأخص: أئمة الدعوة، رحمهم الله. ولكن، نحن فيما يتعلق بهذه الدولة، وكذلك الدول التي تحامت معها، والتي نصرتها، أو أيدتها، أو نحو ذلك، فنقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت