عبد العليم صديق*
"كان في سالف الزمان ملك يحكم دولة وفي إحدى معاركه مع أعدائه قطعت أُذنه, فقال له وزيره: لعل في قطعها خيرًا. فأمر بسجنه. فقال الوزير: وفي سجني أيضًا خير! ومرت السنون وفي يوم ما خرج الملك في رحلة صيد فذهب بعيدًا عن مملكته حتى قَبض عليه جماعة من الناس كانوا يعبدون الأصنام. فقالوا لقد وجدنا شيئًا نقربه لإلهنا, فلما هموا بذبحه وجدوه مقطوع الأذن فقالوا لا نقرب لمعبدونا شئيًا ناقصًا فأطلقوه. وعند رجوعه أمر بإخراج الوزير من السجن فقال له الوزير: ألم أقل لك إن فيها خيرًا, وفي سجني أيضًا خير فلو كنت معك لذبحت بدلًا عنك". [ذكرها أبو حامد الغزالي]
إنّ تصديق العبد بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان التي لا يقبل الإيمان إلا بها. وهذا التصديق يستلزم التسليم لله عز وجل في كل ما يقدّره كما قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم) [التغابن 11] .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله:"هذا عام لجميع المصائب في الأنفس والمال والولد... إلى أن قال: فإذا آمن العبد أنها من عند الله فرضي بذلك, وسلم لأمره, هدى الله قلبه, فاطمأن ولم ينزعج عند المصائب, كما يجري ممن لم يهد الله قلبه, بل يرزقه الثبات عند ورودها والقيام بموجب الصبر فيحصل له بذك ثواب عاجل مع مايُدخر له يوم الجزاء من الأجر العظيم كما قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) " [تفسير السعدي ص 1208] .
إنّ الأمراض والآلام والهموم والفقر والشدة كلها خير للعبد علم أو لم يعلم كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"تأملت المرض فوجدت فيه أكثر من مائة فائدة فهو كفارة للخطايا ورفع للدرجات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مايصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلاّ كفر الله بها من خطاياه ) ). [متفق عليه] فالنصب: التعب، والوصب: المرض. فإنّ الأمراض ونحوها من المؤذيات التي تصيب المؤمن، مطهرة من الذنوب, وأنه ينبغي للإنسان أن لا يجمع بين المرض أو الأذى مثلًا وبين تفويت الثواب. قال النووي رحمه الله تعالى ـ بعد أن أورد عدة روايات ـ"وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور, وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات" [شرح النووي على مسلم 128/16] . ومن فوائد المصائب أنّ العبد يكون في تلك الحال منكسرًا, مضطرًا فيتوجه إلى الله عز وجل أن يزيل همه ويكشف غمه وينفس كربته فيجتمع بكليته فيدعو دعاء من قال الله فيه (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) [النمل] , ومن فوائدها أنّ العبد يقف مع نفسه وقفة محاسبة ويتساءل أنى هذا فيتفقد مواطن الزلل كما قال الله عز وجل: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) [الشورى 30] فيرجع إلى رحاب التواب الرحيم مجددًا التوبة والإنابة. ومن فوائدها ـ وما أكثر فوائدها ـ أن يتذكر العبد أنّ مشئية الله عز وجل في العبد نافذة, وأن قدره واقع لا محالة لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره. ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له, ولو أجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه. وأنّ ما أخطأ العبد لم يكن ليصبه وما أصابه لم يكن ليخطئه فيسلم بذلك فتزيد عليه الفوائد أجرًا و إيمانًا."
وإذا أصيب العبد بفقد حبيب أو موت قريب فتجمل عند ذلك وتذكر مصابه بالنبي صلى الله عليه وسلم, وأن (كل نفس ذائقة الموت) واسترجع واحتسب عوضه الله إيمانًا يجده في قلبه فلما رضي عن الله عز وجل رضي الله عنه.
وإنّ مما يخفف المصائب ـ بعد علم العبد أنها بإذن الله ـ أن يتصبر ويتذكر أن الفرج مع الشدة وأن مع العسر اليسر كما قال تعالى: (فإنّ مع العسر يسرًا إنّ مع العسر يسرا) .
وأخيرًا: بشارة نبوية من تمسك بها وتذكرها ـ لا سيما عند الصدمة الأولى ـ فاز وسعد سعادة لا يعلم بها إلا من قام بها وهي قول المصاب (إنا لله وإنا إليه راجعون) , يقول القرطبي في المصيبة: هي كل ما يؤذي المؤمن، ويصيبه، وقد جعل الله عز وجل، كلمات الاسترجاع، وهي قول المصاب: إنا لله وإنا إليه راجعون ملجأ وملاذًا لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين من الشيطان، لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيّج ما سكن، ويظهر ما كمن، لأنه إذا لجأ لهذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير والبركة، فإن قوله: إنا لله اقرار بالعبودية والملك، واعتراف العبد لله بما أصابه منه، فالملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله: وإنا إليه راجعون إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا، فله الحكم في الأولى، وله المرجع في الأخرى, وفيه كذلك رجاء من عند الله بالثواب.