الهدنةماتت .. وخريطة الطريق تلفظ أنفاسها
عمان: عاطف الجولاني
التساؤل الأهم الذي يطرحه المراقبون للوضع السياسي في المنطقة: ماذا بعد سقوط الهدنة، وما المتوقع في الأيام القادمة بعد أن فُتحت أبواب المواجهة على مصراعيها بين الكيان الصهيوني وحركات المقاومة؟
حركة حماس التي كانت تدرك من البداية أن شارون لن يلتزم بشروط الهدنة، حذرت الصهاينة من مغبة التفسير الخاطئ لدوافع مبادرتها التي أكدت أنها لم تنطلق من حالة ضعف أو عجز كما توهم وزير الدفاع شاؤول موفاز الذي تسرع في إعلان تحقيق كيانه الغاصب انتصارًا على الانتفاضة والمقاومة. وشددت الحركة على أن وقف إطلاق النار المشروط والمؤقت جاء استجابة لجملة من المعطيات، ولا يعني أبدًا إنهاء خيار المقاومة الاستراتيجي.
وخلال الأسابيع الماضية أدارت حماس معركة الهدنة بكفاءة عالية، حيث شكلت لجنة خاصة لرصد الانتهاكات"الإسرائيلية"، وزوّدت الأطراف المعنية في الجامعة العربية ومصر والاتحاد الأوروبي أولًا بأول بخروقات حكومة شارون للهدنة، والتي أكدت الحركة أنها تجاوزت ال900 اختراق. وحين شعرت الحركة بأن شارون أساء تفسير دوافعها لإعلان مبادرة الهدنة وراح يستغل حالة وقف إطلاق النار لتصعيد جرائمه بحق كوادر المقاومة وأبناء الشعب الفلسطيني، قررت تلقين شارون درسًا قاسيًا ينسف الأوهام التي روَّجها موفاز؛ حيث نفذ المجاهد القسامي رائد مسك عملية استشهادية موجعة في قلب القدس، أسقطت 20 قتيلًا و136 جريحًا في واحدة من أقوى العمليات الاستشهادية التي شهدتها الشهور الأخيرة.
سياسيون صهاينة وصفوا عملية القدس بأنها"عملية استراتيجية"شكلت تحولًا جوهريًا في قواعد اللعبة بين حماس و"إسرائيل". ومع أن عددًا من هؤلاء السياسيين دعوا شارون إلى عدم التعجل في الرد على العملية، واستثمارها سياسيًا في تشديد الضغوط على السلطة الفلسطينية من أجل تنفيذ الخطوات العقابية التي أعلنتها قيادة السلطة بحق حركتي حماس والجهاد الإسلامي، فإن شارون الذي وقع عليه نبأ عملية القدس كالصاعقة لم يستطع التريث يومًا إضافيًا، وقرر الردّ بجريمة اغتيال استهدفت المهندس إسماعيل أبوشنب القيادي السياسي في حماس.
وعلى الفور أعلنت جميع حركات المقاومة بصورة رسمية إنهاء الهدنة، وتوعَّدت"إسرائيل"بردود مؤلمة، وأكد العديد من المحللين السياسيين الإسرائيليين أن مسألة وقوع عمليات تهز شوارع القدس وتل أبيب ليست سوى عملية وقت، وأن الأيام القادمة ستكون"عاصفة مضرجة بالدماء والنار وأعمدة الدخان في المدن الإسرائيلية".
من جانبه أكد الشارع الفلسطيني انحيازه الكامل إلى جانب خيار المقاومة، وخرج نحو 150 ألفًا في شوارع قطاع غزة لتشييع جنازة الشهيد"أبو شنب"، ومطالبة كتائب القسام والأجنحة العسكرية لحركات المقاومة بالثأر والانتقام لجريمة الاغتيال البشعة. وهو ما شكل في رأي المراقبين استفتاءً حقيقيًا لموقف الشارع الفلسطيني الذي واجهت حركات المقاومة صعوبة في إقناعه بتفهم قرار الهدنة المؤقتة عند إعلانه.
هدنة جديدة!!: السلطة الفلسطينية التي عوّلت على الهدنة من أجل تخفيف حدّة الضغوط التي مارستها عليها تل أبيب وواشنطن، وجدت نفسها في مأزق حقيقي وموقف حرج للغاية بعد سقوط الهدنة وتصاعد المواجهة بين"إسرائيل"وحركات المقاومة. حيث وقعت بين سندان المطالبات الشعبية لها بالوقوف في الخندق الفلسطيني لمواجهة الجرائم"الإسرائيلية"، ومطرقة ضغوط الإدارة الأمريكية وسلطات الاحتلال لتنفيذ استحقاقات خريطة الطريق التي تطالبها بقمع حركات المقاومة.
ولتلافي الضغوط والتبعات الخطيرة التي ترتبت على تصاعد المعركة بين حماس و"إسرائيل"، دعت السلطة إلى بلورة اتفاق هدنة جديد بوساطة أمريكية تكون"إسرائيل"هذه المرة طرفًا فيه.
لكن مصادر مقربة من شارون قالت للمرة الأولى: إن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تكترث بمستقبل حكومة"أبو مازن"، وأكدت أنها مصرة على المضي في خططها ضد حركات المقاومة حتى لو أدى ذلك إلى سقوط"أبومازن"ودحلان.
وكشف الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي زئيف شيف النقاب عن أن المجلس الوزاري لحكومة شارون ومجلس الدفاع ناقشا عقب عملية القدس، أخطار الرد"الإسرائيلي"على مستقبل حكومة"أبو مازن"، وقال: إن هذه المسألة كانت إحدى المسائل المركزية التي طرحت في المداولات المطولة. وأكد أن الحكومة"الإسرائيلية"قررت في النهاية أن "ردها على عملية القدس الصعبة يجب أن يكون قويًا دون الاكتراث بكيفية تأثيره على مستقبل حكومة أبو مازن."إسرائيل"لن تتراجع عن خططها الميدانية التنفيذية حتى وإن سقطت الحكومة الفلسطينية".