حفل زفافٍ في الأقصى
بقلم: د. وسيم فتح الله
يقولون إنك عازمٌ على الزواج وأنك تبحث عن العروس، فأتعجب من اقتحامك جبهات الحرب الضروس، ألم يكن العزم منك على الزواج أكيدًا، فمن سيكون مع العروس إذا ما صار العريس شهيدًا...
من أنت أيها اللاهث وراء محبوبته، من أنت أيها المُعرض عن بنات عشيرته، هل أنت الذي قد خطب الحورية، ألهذا تستعجل لقاء رب البرية، فقل لي بربك من أنت يا من تتزين لك القدس في عرس الشهادة، من أنت يا من تستعجل الموتَ بُعيد الولادة، وتأبى نفسك الأبية إلا أن تطهر ساحة العرس من رجس بني صهيون، فإذا بجسدك يصب دماءه سجلًا من عبق المسك لتنتشي أرض الإسراء بالطهارة من جديد، ولتعلن روحُك انطلاقتها إلى عالم السماء، مخلِّفةً وراءها ذكرى الشهادة؛ خضابًا وأشلاء...
من أنت حتى تتأهب لك مواكبُ السماء، لتتناول الجسدَ بحنوط الجنة وتستقبلَ روحَك طيورُها الخضراء، حتى إذا وصلتَ تاقت نفسُك للعودةِ مِن جديد، أي جنسٍ من البشر أنت، وكيف كانت صناعةُ هذا الشهيد... هل كان ترابُ الأقصى هو الإكسير، أم كان السرُّ في أنّات الضمير، أحقًا هي قضيةُ وطنٍ وتراب، أو مبادئ إنسانية يزعمون وسراب، فكيف إذًا نحتفلُ مع فجرِ كل يومٍ جديد، وفي كل زاوية من الدنيا بعرس الشهادة وميلاد الشهيد... كلا، ليس السرُّ فيك وحدك يا أقصى، فمواكبُ أعراسِ الشهادة اليوم لا تُحصى، في كل يومٍ في كل زاويةٍ من الدنيا تنطلق زفةٌ جديدة، يُجندِلُ شهيدُنا فيها أهلَ الكفر يزلزلهم زلزالًا شديدًا، ويمضي مع حوريته يعتمرُ تاج الوقار، ويبقى المتاجرون بعِرض القدس يجرون أذيال الخيبة يتمرغون في الصغار، مبادراتٌ مساوماتٌ مفاوضات، كلها ماتت ولكنّ شهيدَنا ما مات...
السر إذن في آياتِ الأنفال، في سورة التوبة وسورة القتال، نعم ليس السرُّ فيك يا أقصى بل في معنى الشهادة، الذي حوَّله القرآن من حبٍ للوطن إلى عبادة، ليست الهندسةُ إذن أسلاكٌ وعبوات، وليس الإبداع في اختراق أسوارٍ ودفاعات، بل هي تطليقةٌ بائنةٌ للدنيا تقمع في نفسك الشهوات، تقول للدنيا بأَسرها ليس الشهيدُ بميت ولكنه أسيرُ الملذات، ليست الهندسةُ إذن إلا سيلًا عارمًا من مُحِبِّي الشهادة، يتدفقون من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ليرفعوا هامَهم بعزٍ قائلين: نحن الذين تمنى منزلتَنا إمامُ الغرِّ المحجَّلين...