بقلم د. محمد الفقيه
"...وحتى نخرج من هذا علينا أن نقرأ التاريخ قراءة واعية مستوعبة لتجاربة رابطة بين أحداثه بعيدًا عن الانفعالات النفسية وتحكم الأهواء ، وهذا مع الأسف إحدى المميزات التي جعلت شعوبًا أخرى تتقدم علينا وتتأهل للريادة ...."
لا تقتصر دراسة التاريخ على المتعة التي يجدها المطلع في سير الأقدمين وما جرى لهم من ترف وعلو شأن أو مصائب ونكسات ، فالنفوس تتشوف للقصص التاريخي وتلذ لسماعه وتطلب المزيد منه ، وتفزع إليه حينما يصيبها الملل أو التعب .
ويذكر الطبري في تفسيره أن الصحابة رضي الله عنهم أصابهم الملل يومًا ما فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يقص عليهم فأنزل الله تعالى سورة يوسف أورد فيها قصة يوسف صلى الله عليه وسلم كاملة من المنشأ حتى الوفاة ، بل تتجاوز دراسة التاريخ المتعة إلى ما هو أهم وأجدى وهو أخذ الدرس والعبرة والعظة من أحوال المتقدمين والاستفادة من تجاربهم .
وقد أرشد القرآن في آيات عديدة لهذا الأمر وحث على العودة للتاريخ واستقراء العبر والعظات من حوادثه وتجاربه ، ففي قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} إرشاد إلى استقراء التاريخ المحسوس المشاهد وهو آثار أولئك الأقوام وديارهم وما خلفوه ورائهم وعدم الاقتصار على التاريخ الروائي فقط ، لأن التاريخ المحسوس المشاهد له أثر أقوى في قلوب وعقول مشاهديه .
وفي آية أخرى يقول تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} فهو إرشاد إلى أخذ العبرة من تجربة الآخرين وقياس النفس عليهم ، فنحن بشر مثلهم أتتنا رسالة مثلهم ، فإن اتبعنا طريقهم أصابنا ما أصابهم ، وسوف يجري علينا من سنة الله في التاريخ ما جرى عليهم .
وفي هذا العصر نشطت الدراسات التي تعنى باستقراء التاريخ وإعادة تقييمه ، ومحاولة الاستفادة من تجاربه ، ولعل الجميع ينادي بالاستفادة من التجارب التاريخية ، ولكن الصعوبة تمكن في أن التجربة وفهم أبعادها تعطي حكمًا خاصًا بمن جربها وعاشها ، وغالبًا ما تعطي شعورًا وأحاسيس أكثر مما تعطي معلومات وحقائق ، كذلك نقل التجربة بأبعادها وحقائقها ممن عايشها يكتنفه كثير من الصعوبة ، وما الصراع بين الأجيال إلا حول محاولة السابقين نقل التجربة ، ومحاولة اللاحقين رفض نقل التجربة من باب رفض الوصاية والانطلاق بتجربة جديدة لا علاقة لها بالسابقة أي منقطعة عنها تمامًا، ثم يأتي الجيل الذي بعدهم بانقطاع أيضًا ، وهكذا تتراكم الانقطاعات ونبقى ندور في نفس الدائرة ، وحتى نخرج من هذا علينا أن نقرأ التاريخ قراءة واعية مستوعبة لتجاربة رابطة بين أحداثه بعيدًا عن الانفعالات النفسية وتحكم الأهواء ، وهذا مع الأسف إحدى المميزات التي جعلت شعوبًا أخرى تتقدم علينا وتتأهل للريادة حيث استقرأوا التاريخ وحوادثه وربطوا حاضرهم بماضيهم واستفادوا من تجارب السابقين .
فالولايات المتحدة مثلًا لديها عشرات المراكز المتخصصة لدراسة التجارب التاريخية ، وصدر منها كثير من الدراسات العميقة ، ومنها على سبيل المثال دراسات حول أسباب انهيار الدول والحضارات حتى يحافظوا على شباب حضارتهم ويبعدوا عنها شبح الشيخوخة ومن ثم الأنهيار .
والدولة الصهيونية لديها أكثر من مركز متخصص في دراسة فترة الحروب الصليبية ، حتى يستفيدوا من تجربتهم في اجتياح العالم الإسلامي وبقاءهم فترة طويلة ، فحتى يستطيع الصهاينة تحقيق توسعهم السرطاني في جسد الأمة ويطيلوا فترة بقائهم أقصى مدة ممكنة عملوا على دراسة عصر الحروب الصليبية .
والفكرة المسيطرة على الغالبية منا أن الأجيال السابقة لها ظروفها الخاصة وتجاربها الأكثر خصوصية ، كما أن طبيعة عصورهم مختلفة جدًا عن عصرنا ، فكل أمة تعيش في شبة عزلة بعاداتهاوأفكارها وطبائعها لذلك يوجد التشابه بين تجاربهم ، أما في عصرنا هذا عصر القرية الواحدة حيث انعدمت الحدود وتلاشت الفوارق الكثيرة بين الأمم بسبب التقدم الهائل في وسائل التقنية والاتصال والصناعة الإعلامية ، فأصبحت حركة المجتمع ومتغيراته والعوامل المؤثرة فيه مختلفة تمام الاختلاف عن العصور السابقة ، وقد يكون في هذه النظرة الباهتة جزءًا من الحقيقة لكنها جافت كامل الحقيقة ، فالأجيال السابقة لم تكن كل أمة معزولة لوحدها كما يحصل في بعض القبائل في أدغال أفريقيا أو استراليا حيث كانت تعيش في عزلة تامة عن غيرها ، فالتاريخ يثبت اتصالات واسعة كانت تتطور بمرور الوقت نقلت بسبها الأفكار والمعتقدات والصناعات والعلوم وغيرها من شرق الأرض إلى غربها والعكس كذلك ، وعصرنا كغيره من العصور هو عصر الغالب الذي يفرض أفكاره ومعتقداته وطبائعه بشتى الوسائل ويحاول محو ماعداها ، على أن هذه النظرة الظالمة للماضين تصل أحيانًا لأجيال قريبة شاركتنا في كثير من ظروف وطبيعة عصرنا ، لكنا نرفض تجاربها بحكم إنها أصبحت من الماضي ، ولو وعينا التاريخ حق الوعي ما كان هذا حالنا .