فهرس الكتاب

الصفحة 9105 من 27345

العمل بالعلم بين الواقع والواجب ...

الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

فإن العلم النافع والعمل الصالح هما مفتاح السعادة ، وأساس النجاة للعبد في معاشه ومعاده ، ومن رزقه الله علمًا نافعًا ووفقه لعمل الصالح؛ فقد حاز الخير، وحظى بسعادة الدارين، قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [97] } [سورة النحل ] .

وإن الإسلام موقفًا رائعًا من العلم لا يدانيه في ذلك دين من الأديان السماوية التي نسخها الله به، وليس المهم في نظر الإسلام هو العلم والسعي في التحصيل، وإنما يراد من وراء ذلك ما هو أهم، وهو العمل بالعلم، وتحويله إلى سلوك واقعي يهيمن على تفكير المتعلم وتصرفاته، فالعلم يراد للعمل.

ولقد اهتم الإسلام بهذا الجانب العظيم من جوانب العلم، ورتب الأجر والنجاة على ذلك، كما ورد الذم والوعيد لمن لا يعمل بعلمه. والواقع أن هناك تقصيرًا واضحًا في موضوع العمل بالعلم، يظهر ذلك على تصرفات الناس وهيئاتهم وأحوال معاشهم، فالذي يأكل الربا يعلم يقينًا أن الربا محرم، والذي يأكل أموال الناس بالباطل بواسطة الغش، أو الخداع يعلم أن ذلك لا يجوز. والذي يبيع ما لا يحل بيعه، أو يقتني ما يحرم اقتناؤه لو سألته عن ذلك ما قال إنه يجوز. وفي مجال اللباس مخالفات كثيرة لا يخفى على أحد - في الغالب - حكمها. هذه أمثلة لبعض الأفعال.

أما بالنسبة للأشخاص فإن أمارات الانحراف وأشياء من المخالفات تظهر على علماء، ومتعلمين، ودعاة، ومصلحين، وآمرين وناهين، وصاروا غير ملائمين بين علمهم وسلوكهم، فضلًا عن بقية الناس.

إن على هؤلاء واجبًا عظيمًا ومسؤولية كبرى؛ لأنهم قدوة لغيرهم، وأسوة لأتباعهم، ولن يكونوا كذلك حتى يكونوا عاملين بعلمهم، وإننا نأسى عندما نرى من هؤلاء من قد أخفق في تطبيق ما علمه على نفسه، وصار يأمر الناس بالبر وينسى نفسه.

ولا ريب أن المعلم إذا خالف فعله قوله؛ فليس بقدوة، إذ ليس من العقل أن يأمر الإنسان غيره بالخير وينسى نفسه، والمريض لن يستطيع علاج مريض مثله. وهذا لا عذر له مع علمه، وذنبه أشد؛ لأنه تصدى لتعليم المسلمين الذين يعتقدون أنه الأسوة الحسنة، والقدوة المثلى.

العمل بالعلم:

من المؤكد أن المنزلة السامية، والثواب العظيم لطالب العلم، لا يكون إلا لمن عمل بعلمه. ومن هنا وجب إتْبَاع العلم بالعمل. وظهور آثار العلم على مقتنيه، فالعلم إنما يطلب ليعمل به، كالمال يطلب لإنفاقه في طرق الخير، وإذا لم يتحول العلم إلى واقع ملموس يراه الناس؛ فهو وبال على صاحبه، والجاهل خير منه.

يقول ابن جماعة رحمه الله:' واعلم أن جميع ما ذكر من فضيلة العلم والعلماء إنما هو في حق العلماء العاملين الأبرار المتقين الذي قصدوا به وجه الله الكريم، والزلفى لديه في جنات النعيم. لا من طلبه لسوء نية، أو خبث طوية، أو لأغراض دنيوية: من جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع والطلاب' [ تذكرة السامع والمتكلم ص13 ] .

ولما كان هذا الموضوع بمكان من الأهمية فسأذكر - إن شاء الله - النصوص الشرعية التي تؤكد على طالب العلم أن يكون عاملًا بعلمه، قائمًا بحقوق الله وحقوق خلقه قدر استطاعته، وكذا النصوص التي تضمنت الوعيد الشديد للعالم الذي لم يستنر بعلمه، وأبدأ بالنصوص القرآنية، ثم من السنة النبوية،ثم أذكر شيئًا من منثور الكلام ومنظومه.

أولًا:من القرآن:

الآية الأولى: قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [44] } [سورة البقرة] .

فذكر من صفات اليهود وطبائعهم وأخلاقهم كونهم يأمرون بالخير ولا يفعلونه ويدعون إلى البر ويهملونه، لتحذير هذه الأمة من سلوك طريقهم، أو التشبه بشيء من أخلاقهم. قال ابن كثير:'والفرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه. وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من يأمرهم به ولا يتخلف عنهم'.

الآية الثانية: قال تعالى عن شعيب عليه الصلاة والسلام:... وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [88] } [سورة هود] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت