(الطغيان) في اللغة: التعدي وتجاوز الحد ( [1] ) .
والمقصود به هنا سلب شيء من خصائص الألوهية من الخالق جل وعلا ومنحه للمخلوق, فهذا من التعدي على الله سبحانه ومن التجاوز بالمخلوق فوق حده .
وقد ظهر الطغيان في عهد الجاهلية على ضربين:
الأول: منح الأصنام حق العبادة من دون الله تعالى .
والثاني: منح زعماء المشركين حق التشريع من دون الله تعالى .
فأما الأول فإنه قد انتشر في جزيزة العرب انتشارًا واسعًا , وكان العرب في ماضي حياتهم على دين إسماعيل عليه السلام , وهو التوحيد إلى أن دخلت عبادة الأصنام في حياتهم .
وكان أول من أدخل عبادة الأصنام على العرب عمرو بن لُحَيّ الخزاعي , كما جاء في حديث أخرجه الحاكم , وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر النار:"ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار , وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي , فقال معبد: يارسول الله أتخشى عليَّ من شبهه فإنه والدي ؟ قال: لا , أنت مؤمن وهو كافر , وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام".
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي ( [2] ) .
وانتشرت عبادة الأصنام في بلاد العرب حتى دخلت إلى بيوتهم , وفي بيان ذلك يقول ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه , فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسَّح به حين يركب , فكان ذلك آخر مايصنع حين يتوجه إلى سفره , وإذا قدم من سفره تمسح به , فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله ( [3] ) .
وقد أخذت عبادة الأصنام أشكالًا متعددة منها السجود لها والطواف حولها والنحر عندها, والتمسح بها .
ومن مظاهر إشراكهم الأصنام مع الله تعالى قول بعضهم في تلبية الحج"لبيك لاشريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك" ( [4] ) .
هذا وقد انتشرت عبادة الأصنام في أكثر الأمم الجاهلية كما سيتبين لنا في عرض مواقف الفتوحات الإسلامية .
أما الضرب الثاني من الطغيان فهو منح زعماء المشركين حق التشريع من دون الله تعالى فهذا واضح في جميع الأمم ومنها قبائل العرب حيث كان الزعماء هم الذين يشرعون للناس ما ينظمون به حياتهم من غير رجوع إلى وحي سماوي , وكان بروز دور الزعماء في حياة الأمم ذات الحكومات أكبر مما هو عليه عند العرب الذين كانت تغلب عليهم الحياة القبلية .
وحينما تكون القلوب ممتلئة بتعظيم الأصنام والخوف منها وبتعظيم البشر والرهبة منهم فإن تصورات الإنسان تكون منحرفة عن الخط المستقيم , لأن فكره سيكون مشغولًا بهذا الإطار , من تقديم مظاهر التعظيم والولاء والخوف والرجاء رغبة فيما عندهم من الخير واتقاء لما عندهم من الشر الذي يكون من نسج الخيال وهيمنة الأوهام بالنسبة للأصنام , ومن المغالاة في تقدير الأسباب التي يمكِّن الله تعالى منها طغاة البشر واعتبارهم مستقلين بها عن إرادة الله تعالى وقدرته .
وبالتالي يكون السلوك منحرفًا نحو عبادتهم من دون الله تعالى وذلك ظاهر في الأصنام , ومغلف بالنسبة للطغاة لعدم تقديم مظاهر العبادة الظاهرة لهم ولكن بتقديم رضاهم على رضا الله تعالى , وما يحبونه على مايحبه , واجتناب سخطهم وغضبهم وإن غضب الله جل وعلا عليهم .
وإن مهمة الداعية الحقيقية هي الجد في محاولة تفريغ قلوب هؤلاء المستعبدين وتطهيرها من رجس عبادة الأوثان من الأصنام ومن طغاة البشر , وذلك ببيان حقارة الأصنام وعدم تمتعها بخصائص الإنسان العاقل فضلًا عن خصائص الألوهية , وببيان جرائم الطغاة ومظاهر الضعف والتناقض في أحكامهم وقراراتهم لتحطيم كبريائهم وتطهير العقول من اعتقاد عظمتهم وقداستهم.
ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته بهذه المهمة خير قيام , حيث حطم الطغيان البشري القائم في عهده , وأحل محله العبودية الكاملة لله عز وجل .
وقد أخذ جهاده لتحطيم الطغيان مسلكين: